السُّلَّم الذي يُركل.. ومرمى الأخضر

سعيد محمد بن زقر
كاتب في الشأن الاقتصادي

تحت العارضة يقف الحارس وحده، قفازان، وخط تماس أبيض، ومرمى خلفه كأنه الحد الفاصل بين النجاة والسقوط، مشهد يبدو فرديًا إلى أقصى حد، لكنه في الحقيقة أكثر المشاهد جماعية في كرة القدم؛ خلف هذا الرجل المنفرد تقف منظومة كاملة: أكاديمية مولتها الدولة بسخاء، وهرم عمري من الناشئين إلى الشباب، وأب انتظر، ومدينة صغيرة حلمت، وحين اختار الجهاز الفني حارس الأخضر لمواجهة “أوروغواي” في المونديال، جاء الاختيار مفاجئاً في دلالته؛ حارس في الرابعة والثلاثين، يلعب لنادي العلا في دوري الدرجة الأولى، عاد إليه بريقه لأنه — ببساطة — كان يلعب بانتظام، بينما جلس حراس الأندية الكبرى، أبناء الاستثمار الضخم والملاعب اللامعة، على الدكة خلف المحترفين الأجانب حتى أصابهم الصدأ.

هذه ليست واقعة رياضية عابرة، إنها مختبر مصغر لأعمق جدل في علم التنمية، ومرآة صافية لسؤال يتجاوز المستطيل الأخضر إلى سوق العمل كله: كيف نحول الإنفاق إلى قدرة، والدعم إلى إنتاج؟

وقد قام شح باب الحارس الأجنبي على حجة بديهية القبول: أن المنافسة ترفع سقف اللاعب المحلي وتصقله، وأن مزاحمة الكبار تصنع منه حارساً أفضل. والمفارقة ألا بّد أن أصدق ردّ على هذه الحجة جاء من القرار نفسه، فلو صح ذلك، لأخرجت سنوات الاحتكاك حارسًا وطنيًا أرهقته تلك المزاحمة، فلما حضر الميدان — والميدان يا حميدان، — لم تركن الجهة ذاتها إلى أي ثمرة من تلك الثمار المزعومة، بل عادت تطلب حارسها في الفئة التي أبقتها محمية، فكان اختيارها هو جوابها، لو كانت المنافسة قد صنعت الكفاءة لاستقنت بها؛ ولما عادت إلى المحمي، أقرّت أنها لم تُصنع بعد، وفي هذا الإلزام درش أبلغ من كل تنظير.

وهنا يحضر إسقاط علمي لا يخطئه النظر، فالحجة التي رُفع بها الباب هي بعينها حجة التجارة الحرة التي رفعتها دول الشمال على دول الجنوب، سماها الاقتصادي ها-جون تشانغ “ركل السُّلم”، استلهاها من فريدريش لست قبله؛ بريطانيا تصنعت خلف قوانين الحبوب والملاحة، والولايات المتحدة خلف تعريفات هاملتون، وألمانيا واليابان وكوريا خلف حماية “الصناعة الناشئة”؛ حتى إذا بلغوا القمة رفعوا “التحرير مبدأً كونيًا”، وركلوا السُّلم الذي صعدوا عليه لئلا يصعد بعدهم أحد. والمنطق واحد في الملعب والسوق معًا : قول “المنافسة تصنع الكفاءة” صادق بعد بلوغ عتبة القدرة، أما قبلها فهو إقصاء مقنّع بلغة الجدارة، ومركز الحارس كان “صناعتنا الناشئة”؛ فلما رُفعت عنه الحماية قبل النضج، تجمد اللاعب الوطني عند مقعد الاحتياط، كما تتجمد دولة الجنوب عند موقع المادة الخام.

غير أن الإنصاف يقتضي تصحيحاً لا يجوز إغفاله، فالحماية في ذاتها ليست غنمًا، والدليل ماثل في ذاكرتنا: محمد الدعيع. لقد خرج من قلب ذلك النظام المحمي بالضبط، صعد من ناشئي الطائي إلى الهلال إلى العرين الوطني، فلعب مئة وثمانيًا وسبعين مباراة دولية — ثاني أكثر حراس العالم مشاركة — وشارك في أربع نهائيات متتالية لكأس العالم، ونال لقب أفضل حارس آسيوي، واختير ضمن أفضل عشرة حراس في مونديال 1994 و1998، هذا ليس احتكارًا كسولاً، بل أحد أعظم حراس القارة في تاريخها. والمفارقة الأعمق أن هذه الأيقونة نفسها، ثمرة النظام المحمي، صارت لاحقًا من أشد المحذرين من رفع الحماية عن العرين؛ فأعلى ما انتجته الحماية يقف شاهدًا على قيمتها.

وإذا كانت الحماية المطلقة أخرجت لنا الدعيع وجيلاً ذهبيًا، وأخرج الانفتاح غير المشروط احتياطيًا صدئًا، فالاستنتاج الحتمي أن العلة ليست في أيّ منهما، الحماية والانفتاح مجرد أنظمة تشغيل سطحية؛ والداء في “المحرّك” لا في غطائه. ثمة طبقة أعمق تحت الاثنين، هي آلية تحويل الاستثمار إلى قدرة مُنتجة، وتقوم على ثلاثة مفاصل: تسلسل مشروط — احمِ لتبني، ثم افتح عند نضج مضمر، وضمان نفاذ إلى موقع الإنتاج — فلا يكفي أن تُدرّب الموهبة، بل أن تضمن لها دقائق لعب حقيقية على أعلى مستوى، إذ الاحتكاك لا التدريب وحده هو ما يصنع القدرة؛ ومساءلة بالأثر لا بالإنفاق — نقيس القدرة المُنتجة، لا عدد المبادرات ولا حجم الدعم. الدعيع تحققت له المفاصل الثلاثة، فنضج؛ وحارس اليوم تحقق له الإنفاق وحده، فصدئ.

وعلى ضوء ورقتك تكتمل الصورة، فأنت انتقدت ضلعًا حاسمًا، لفت النظر إلى الشباب من “فئة تحتاج رعاية” إلى “رأس مال وطني ومورد استراتيجي”، ودعوت صراحة إلى منظومة تقيس أثر السياسات بمؤشرات التمكين — وهذا عين منطق القدرة المنتجة، غير أن الورقة، وهي تُحسن الدعوة إلى البناء وصناعة الفرصة، تتبنى ضمنًا أن التأهيل الجيد كفيل بأن يحجز للوطني مكانه في وجه المنافسة، والمرمى هو الاختبار المعملي لهذا الافتراض؛ لو كان التأهيل وحده يكفي — وقد أُنفق عليه بسخاء — لحجز حارسنا مكانه؛ لكنه جلس على الدكة، لأن القدرة بلا ضمان نفاذ إلى الموقع تبقى موهبة على الرف. فما أضيفه ليس اعتراضًا على إطارك، بل الضلع الذي يكمله: إلى جانب بناء القدرة وقياس أثرها، تسلسل يحمي المسار حتى ينضج، وضمان يفتح له المقعد عند جاهزيته.

ولذلك فالمطلب ليس “امنعوا الأجانب”، فتلك لغة انغلاقية رجعية الإيحاء، بل “رتبوا تسلسل الفتح”؛ ابقوا للناشئة مسارات مضمونة الدقائق، واربطوا تخفيف الحماية بعتبات نضج معلنة ومقيسة، واجعلوا الفتح مكافأة على الجاهزية لا بديلًا عنها، حينها فقط تتحول المنافسة من سيف يقطع إلى مبرد يصقل.

وأعود بك إلى القفازين تحت العارضة، إن ورقتك بنت القاعدة، وما أرجوه أن نُكمل معًا سقفها : ألا نكتفي بإعداد الشاب، بل نضمن له الموقع الذي يُثبت فيه ما أُعد له — في المرمى وفي سوق العمل سواء، فالأمم لا تقاس بمن استوردت من حراس العالم، بل بمن خرجت من أبنائها قادرًا أن يحمي مرماه ومرمى وطنه، والسُّلم الذي صعد عليه الكبار لا نركله في وجه صغارنا؛ بل نُمسكه ثابتًا، ونُمهلهم حتى يصعدوا — ثم نفسح لهم في القمة لا على حافتها، وهذا، في ظني، تمام ما بدأته أنت.


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى