حين تحمل الكلمةُ ميراثها
الترفيه اليوم هدفٌ وطني، وكلنا معه بدون أي تردد. فهو صناعة تفتح أبواب الرزق، ومساحةٌ تتيح للأسرة السعودية حياةً طبيعية، وميدانٌ تُعرض فيه قُدرات أبنائنا على العالم. والمشاريع الترفيهية الكبرى في الرياض وجدة والعُلا والقدية أعادت للناس مُتنفساً كانوا يطلبونه خارج بلادهم. وللناظر المُنصف أن يرى أنّ الترفيه في بلادنا اليوم ينبت من قلب البلد، فيه فنّانونا ومُنتجونا ولساننا، ينمو يوماً بعد يوم بأيدي أبنائنا. وأسأل الله أن يجعل في هذا المشروع خيراً لأهل بلادنا، وأن يَصرف عنه ما يَضرّ. ولأنّ المشروع كبير، فإنّ السؤال الذي يَستحقّ الطرح بهدوء هو: كيف نُهيّئ أنفسنا، بيوتاً ومدارس وأفراداً، لنستفيد من هذا المُتنفّس استفادةً تليق به؟ الكلمةُ ليست صوتاً يَخرج من اللسان، بل تاريخٌ ووزن. الكلمةُ تحمل قاموساً، والقاموسُ يحمل ميراثاً، والميراثُ يحمل ميزاناً. إسأل نفسك حين تسمع ابنك يستعمل كلمةً مُستوردةً مكانَ كلمةٍ من لُغته: ماذا فقد معها؟ لم يفقد الحرف فقط، بل المعنى الذي بُنيت عليه الكلمةُ في ذاكرة أجداده. ومَن لم يملك قاموسه، أخذ قاموس غيره وهو لا يَشعر. وفي هذا السياق قال مصطفى صادق الرافعي رحمه الله: «اللغةُ من أكبر مَظاهر الجنسية لأيِّ أُمّةٍ من الأمم، وعنوانٌ على شَرَفها التاريخي، وفهرسٌ ناطقٌ على دقائق نَفسيَّتها، وعَلَمٌ خفّاقٌ في فضاء وُجودها، فإذا ضَعفت بَدا ذلك في تَفكّك الأُمَّة، وضَعف الصِّلات بين أفرادها». ففي هذه الكلمات يَضع الرافعي ميزاناً لا يَزال صالحاً اليوم: أنّ صَلاح اللسان من صَلاح الأُمّة، وأنّ ضَعفه فيها بدايةُ تَفكُّكها. ومن هنا أكتب هذا المقال، لا اعتراضاً على ما يُبنى في بلادي من ترفيه وصناعة وانفتاح، بل تَأمُّلاً في الشرط الذي يَجعل هذا البناءَ ثمرةً تدوم: أن يَنمو معه قاموسُنا، لا أن يَنمو على حسابه. أُنظر إلى ثلاث كلماتٍ من لساننا: الحياء، والمروءة، والصِّلة. كلمةُ الحياء عندنا تَحمل في طيَّاتها الخوفَ من الله، والاحتشامَ مع الناس، والاستحياءَ من النفس قبل غيرها. لا تجد لها ترجمةً واحدةً في لُغةٍ أُخرى تستوعب هذه الطبقات. وكذلك المروءةُ، التي تَجمع الكَرَم والشجاعة وحفظ العهد والرعايةَ لحقوق الجار. وكذلك الصِّلةُ، التي تَجمع رَحِمَك ومودَّتَك ودوامَ عَطائك حتى لِمَن قطعك. الكلمةُ هي الكلمة، لكنّ الميراث خلفها مُختلف. والميراثُ هو الذي يَصنع الإنسان، والحروفُ هي التي تنقله. ومن هنا نَفهم لماذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (يوسف: 2). اللغةُ ليست زينةً حول المعنى، بل طريقٌ إليه. مَن قرأ سورة النور تَعلَّم الحياء، ومَن قرأ سورة الحجرات تَعلَّم الأدب، ومَن قرأ سورة يوسف تَعلَّم العفَّة في القصة، ومَن قرأ سورة الكهف تَعلَّم أنّ الأمورَ ليست على ظاهرها. وحين يتربَّى الفتى على هذه السور، لا يَحفظ كلماتٍ فحسب، بل يَحمل في صدره ميزاناً يَزِن به ما يَراه ويَسمعه. فإذا جاءه ترفيهٌ نافع، عَرف نَفعه؛ وإذا جاءه ما لا يُناسبه، عَرف ذلك بفطرته قبل أن يُقال له. ومن هنا تتَّضح الشراكة. على البيت أن يَجعل العربيةَ لغةَ حبٍّ ومرح مع الأبناء، لا لغةَ واجبٍ ثقيل. وعلى المدرسة أن تُخرِّج جيلاً يَفهم قاموسَه ويَقرأ كتابَه. وعلى المسجد والعلماء أن يُقدّموا الفقه بلسانٍ يَصل إلى الشباب. وعلى الأسرة أن تنتبه إلى أنّ الشاشاتِ صارت قريناً يُجالس الفتى ساعاتٍ كلَّ يوم، وأنّ اختيارَ ما يَدخل البيتَ منها لا يَقِلّ خطراً عن اختيار مَن يَدخل البيتَ من الأشخاص. نحن نَسأل عن صديق ابننا قبل أن يَزورنا في البيت، فلماذا لا نَسأل عن البرنامج الذي يُجالسه ساعةً أو ساعتين كلَّ يوم؟ والتفاصيلُ التنظيميةُ لها أهْلُها. أنا أكتب هذا من موضع رجل صناعة يَفخر بما يَجري في بلده، ويُحبّ أن يَراه يَنمو نُمواً مُتَّسقاً مع ميراثه. أخشى على أحفادي أن يَرِثوا لساناً بلا قاموس، فلا يَجدوا في عربيتهم ما يكفي ليُسمّوا به أحاسيسَهم. تَأمَّل لحظةً: حين لا يَجد الفتى في لغته كلمةً تُسمّي حُزنه، فإنه لا يَستعير الكلمةَ فقط، بل يَستعير الإحساسَ كلَّه بصورته التي صِيغ فيها في لُغةٍ أُخرى. ويكبر الإنسانُ فلا يَعرِف نفسَه إلا من خلال مَن سَمّاها له. وأتمنى أن أرى أحفادي يَضحكون بالعربية كما يَضحكون بغيرها، ويَبكون بها، ويُغنّون بها، ويَحلمون بها. وحين يُنتج ترفيهٌ بلساننا، ويُكتب فنٌّ من قلبنا، ويُحكى للعالم من نحن بكلماتنا نحن، نقترب من ذلك اليوم خطوةً خطوة. وأسأل الله أن يُبارك في كلّ يدٍ عاملة في هذا المشروع، وأن يَجعله مكسبَ خيرٍ لأبناء بلادنا، ومفخرةً لأحفادنا. والله وليُّ التوفيق.

