إطلالة عيد في عصر الترامباوية

سعيد محمد بن زقر
كاتب في الشأن الاقتصادي
2026/3/17

تخيّل هذا المشهد، ليس خبراً، بل سيناريو من عالم ديستوبي قد يتشكل إذا التقت صدمات الطاقة بالتوترات العسكرية في عصر الترامباوية. أطلّ العيد هذا العام على الناس كما يفعل دائماً: ببهجة قصيرة تشبه استراحة في قلب العام. المدن تلبس ضوءها، والأطفال يركضون بثيابهم الجديدة، والبيوت تمتلئ برائحة القهوة والحلوى. لحظة بدا فيها أن العالم قرر أن يمنح البشر هدنة صغيرة من قلقهم المعتاد. لكن العالم في هذا العصر لا يمنح هدناً طويلة.

في صباح اليوم الأول للعيد، تسلّل خبر اقتصادي صغير إلى نشرات الأخبار: ارتفاع حاد في أسعار الطاقة العالمية. في البداية، بدا الأمريكيون يتعاملون معه كأنه تقلب عابر في الأسواق، غير أن الأرقام بدأت ترتفع بسرعة غير مألوفة. النفط يقفز، والعقود الآجلة للطاقة ترتجف، والأسواق تطرح السؤال الذي يسبق دائماً الأخبار الكبرى: ماذا حدث؟

في الجانب الآخر من العالم، اكتشف المواطن الأمريكي الإجابة بطريقته الخاصة: أمام لوحة الأسعار في محطة الوقود. في ليلة وضحاها قفز سعر البنزين قفزة صادمة. مندوبو الأخبار يتحدثون عن صدمة طاقة، والمحللون بدأوا يربطونها بتوتر عسكري يتصاعد في الخليج.

في عصر الترامباوية لا تبدأ الأزمات بإعلانات رسمية، بل بإشعار صغير في تغريدة. وفي منتصف نهار العيد ظهرت تقارير عن مواجهة بحرية في الخليج. ثم جاءت التفاصيل تباعاً: هجمات متزامنة على سفن، حالة استنفار في الأساطيل، وتقديرات أولية عن استخدام صواريخ فرط صوتية.

خلال ساعات تحولت المواجهة المحدودة إلى شرارة أزمة عالمية. قفز النفط مرة أخرى، ثم تبعته أسعار الغاز والشحن والتأمين البحري. لأن أثر الصواريخ الأسرع من الصوت لا يتوقف عند مياه الخليج، بل يمتد عبر الأسواق العالمية.

في غضون أيام بدأت مؤشرات التضخم ترتفع في مناطق واسعة من العالم: في بلاد الشام، حيث ترتبط الأسعار مباشرة بكلفة الطاقة والنقل، وفي شمال أفريقيا المعتمدة على واردات الطاقة.

في واشنطن، بدأت معركة مختلفة. الرئيس يوسع العمليات لحماية القوات الأمريكية، بينما يطالب الكونغرس بتفويض رسمي للحرب. في الأيام العادية يبدو هذا النقاش قانونياً بين المؤسسات، لكنه في زمن الأزمات يتحول إلى صراع سياسي حقيقي. لأن الحرب لا تعني الجبهات فقط، بل تعني أيضاً أسعار الوقود، والتضخم، وصناديق الاقتراع.

أما هنا، على كورنيش جدة، فالعالم يبدو مختلفاً تماماً. رب أسرة يقف عند السور المطل على البحر الأحمر، وأطفاله يركضون حوله بفرح العيد. الهواء لطيف، والأضواء تنعكس على الماء، والعائلات تمشي ببطء. توهم الناس أن الزمن تباطأ قليلاً، لكن الزمن في هذا العصر لا يتباطأ.

ففي مكان بعيد قد تكون صواريخ أسرع من الصوت قد غيرت توازنات البحر، وقد تكون الأسواق بدأت بالفعل في إعادة رسم خريطة الطاقة. وقد تكون أقوى دولة في العالم على وشك الدخول في أخطر أزمة يمكن أن تواجهها: أزمة داخل دستورها نفسه. بينما يرتشف آخر قطرة من كوب الشاي، يرفع نظره إلى البحر ويقول بهدوء: عيد بأي حال عدت يا عيد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى