ناقوس الأرقام: عندما ترتفع التكلفة أسرع من الإنتاجية
سعيد محمد بن زقر
كاتب في الشأن الاقتصادي
2026/3/17
صحيح أن معدل البطالة الرسمي يبلغ 7.5٪، لكنه رقم لا يكفي وحده لقراءة اقتصاد يشكّل الوافدون فيه نحو ثلاثة أرباع القوة العاملة، حيث إن الحضور في السوق مرتبط أساساً بالعمل لا بالبحث عنه.
تتضح الصورة أكثر عند النظر إلى هيكل العمالة، يعمل في الاقتصاد السعودي نحو 17 مليون عامل، لكن عدد السعوديين بينهم لا يتجاوز 3.5 إلى 3.8 مليون، ويتركز نحو 2.3 مليون سعودي في القطاع الخاص، مقابل نحو 1.1 مليون في القطاع الحكومي، بينما يتجاوز عدد العمالة الوافدة 13 مليون عامل، أي نحو ثلاثة أرباع العمالة في الاقتصاد غير سعودية.
هذا الهيكل ليس مجرد ظاهرة ديموغرافية، بل هو نموذج اقتصادي معروف في الأدبيات باسم توازن الأجور المنخفضة (Low-wage equilibrium)، حيث تصبح تكلفة توظيف عامل إضافي أقل من تكلفة الاستثمار في الآلة أو التقنية. ومع مرور الوقت، تتشكل قطاعات كاملة تعتمد على كثافة العمالة بدلاً من ارتفاع إنتاجية العمل (Labor Productivity).
الإنتاجية ببساطة هي ما يضيفه العامل من قيمة للاقتصاد – ومنها تُدفع الأجور وتتحسن مستويات المعيشة. فعندما يبلغ الناتج المحلي الإجمالي نحو 1.07 تريليون دولار، ويبلغ متوسط الناتج لكل عامل نحو 60 ألف دولار سنوياً، فإن إنتاجية العمل (Labor Productivity) في القطاعات غير النفطية لا تتجاوز 35 إلى 40 ألف دولار، أي أقل من نصف إنتاجية العامل في الاقتصادات الصناعية.
وهذا الرقم ليس مجرد مقياس اقتصادي، بل هو ما يحدد سقف الأجور الحقيقية (Real Wages) والدخل المتاح للأسر. فالعامل الذي ينتج 40 ألف دولار في السنة لا يمكن للاقتصاد أن يدفع له أجراً يشبه اقتصاداً ينتج فيه العامل 90 أو 100 ألف دولار. وفي النهاية، فإن قدرة الاقتصاد على رفع مستوى المعيشة تبدأ من مقدار القيمة المضافة (Value Added) التي ينتجها كل عامل.
وهنا يأتي منطق سياسات التوطين مثل نطاقات. الفكرة الأساسية أن رفع تكلفة نموذج العمالة الرخيصة تدريجياً سيدفع الشركات إلى البحث عن طرق أخرى للنمو. وفي اقتصاد العمل، يُعرف هذا الضغط باسم الأجر الكفؤ (Efficiency Wage)، حيث إن ارتفاع تكلفة العمل قد يدفع الشركات إلى تحسين الإنتاجية بدلاً من الاعتماد على العمالة منخفضة التكلفة.
لكن النظرية الاقتصادية واضحة في نقطة أساسية: ارتفاع تكلفة العمل لا يرفع الإنتاجية تلقائياً. الإنتاجية ترتفع عندما يرتفع الاستثمار في رأس المال البشري (Human Capital)، والتقنية، والتنظيم، وما يُعرف أيضاً بتعميق رأس المال (Capital Deepening).
أما إذا ارتفعت التكلفة دون تحسن هذه العوامل، فإن النتيجة ببساطة تكون اقتصاداً أعلى تكلفة لا اقتصاداً أعلى إنتاجية. يتضح ذلك عند النظر إلى إنتاجية العمل في الاقتصاد غير النفطي، حيث لا تزال الفجوة قائمة بين تكلفة العامل وما يضيفه فعلياً من قيمة.
والتأمل في هيكل صنع السياسات يكشف بعداً آخر: المنظومة تعمل بمقاييس متعددة – كل جهة تقيس ما يقع ضمن نطاقها – لكن لا يوجد مقياس موحد يجعل إنتاجية العمل (Labor Productivity) المؤشر الحاكم للأداء عبر القطاعات. وهنا يتحول السؤال من التوطين كهدف إلى التوطين كقيمة: إذا كان التوطين أداة، فما الأداة التي نقيس بها ما إذا كان هذا التوطين قد رفع الإنتاجية فعلاً؟

