كل ما يلمعُ ليس ذهباً… ولا كل ما يلمعُ يُشترى

سعيد محمد بن زقر 2026/4/29

أصدر دويتشه بنك هذا الأسبوع ورقة بعنوان “كل ما يلمع”، تُجادل بأن دفة الاحتياطيات العالمية تعود من الدولار إلى الذهب بعد ثلاثة عقود من الهيمنة شبه المطلقة للعملة الأمريكية. وفق منهجية الورقة، التي تحتسب الذهب والعملات معاً ضمن إجمالي الاحتياطيات الرسمية، تراجعت حصة الدولار من نحو 60% في ذروتها إلى 40% اليوم، فيما تضاعفت حصة الذهب في أربع سنوات لتقترب من 30%. الفجوة بين المعدنين النقديين، الورقي والأصفر، لم تعد سوى عشر نقاط مئوية.

لكن خلف العنوان البرَّاق، تفصيلٌ يستحق التأمل: تعترف الورقة بأن نحو 80% من ارتفاع حصة الذهب يعود إلى ارتفاع سعره، لا إلى مشتريات جديدة. أي أن البنوك المركزية لم تُعِد بناء مراكزها الذهبية بقدر ما أعاد السوقُ تسعير ما تملكه. ثم تأتي النقطة الأخطر: المشتريات الرسمية الصافية للذهب منذ الأزمة المالية العالمية جاءت كلها من الأسواق الناشئة. الصين، تركيا، الهند، بولندا، روسيا، لا الاحتياطي الفيدرالي ولا البنك المركزي الأوروبي. سيناريو دويتشه بنك، ذهبٌ عند ثمانية آلاف دولار للأونصة خلال خمس سنوات، ليس توقعاً سعرياً خالصاً، بل سيناريو مشروط بأن تستهدف هذه البنوك 40% من احتياطياتها ذهباً.

السؤال أين موقع المملكة من هذا المشهد؟ هنا تكمن خصوصيتنا التي تُغفلها معظم القراءات: نحن لسنا مستهلكاً للذهب فحسب، بل منتجٌ له. تحتفظ المملكة بنحو 323 طناً من الذهب ضمن الاحتياطيات الرسمية، وهو رقم شبه ثابت منذ سنوات طويلة.

أما تحت الأرض، فالصورة مختلفة تماماً. أعلنت شركة معادن في يناير الماضي عن إضافة نحو 242 طناً إلى مواردها المعدنية من الذهب، ومنجم منصورة-مسرة وحده يحوي اليوم 323 طناً، أي ما يعادل احتياطي المملكة الرسمي بأكمله. تستهدف الشركة مضاعفة الإنتاج بحلول 2030. الدرع العربي، الذي يمتدّ تحت أقدامنا من المدينة إلى نجران، يُوصف بأنه قد يكون موقع “اندفاعة الذهب” المقبلة في العالم.

هذا يُغيِّر المعادلة جذرياً. لا ينبغي أن يُدار نقاش الذهب في الرياض بعقلية المستورد الذي يطارد السعر، بل بعقلية الدولة المنتجة. السؤال السعودي ليس: هل نشتري الذهب عند القمة؟ نحن لا نختار بين الشراء والامتناع، بل بين بيع المورد كسلعة، أو تحويله إلى أداة سيادية أوسع تشمل التكرير، والتخزين، وسلاسل القيمة، والاحتياطي. والتحوّل العالمي ليس نقدياً فحسب، بل تحوّلٌ في طبيعة “الأمان” ذاته. بعد تجميد نحو 300 مليار دولار من الأصول السيادية الروسية، صار المعدن الذي لا يُجمَّد أكثر أماناً من الأصل الذي قد يُحاصَر بقرار سياسي أو قانوني. ما كان يُوصف بأنه “إرث نقدي بدائي” يعود ليكون “تأميناً ضد مخاطر الولاية القضائية”.

والمملكة تجلس على طبقتين من هذا التأمين: واحدة تحت الأرض، وأخرى تنتظر قراراً بشأن ما يُستخرج منها. ولعلّ في ذلك تذكيراً بأن هذه الأرض، التي دعا لها خليل الرحمن: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ١٢٦] قَدَّم الأمنَ على الثمرات. والثمرات تتجدّد على قدر العصر، نفطاً، ثم غازاً، ثم اليوم معدناً نفيساً تتسابق البنوك المركزية على اكتنازه، وبعضه ما زال تحت أرضنا ينتظر قراراً، لا سعراً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى