حكاية متجر لا يملكه تاجر

ماذا تعلمنا تجربة ميغروس عن مصير التعاونيات الاستهلاكية في السعودية؟

سعيد محمد بن زقر
كاتب في الشأن الاقتصادي
2026/3/15

في صباح بارد من شتاءات زيورخ، يقف المتسوق أمام رفوف متجر «ميغروس»، كما يقف أي إنسان أمام حاجات يومه البسيطة: خبز، حليب، بعض الفاكهة. لا شيء في المشهد يوحي بأن هذا المكان يخفي وراء هدوئه تجربة اقتصادية غير عادية. فالمتجر ليس ملكاً لتاجر كبير، ولا لشركة مدرجة في السوق المالية، بل لناس عاديين صاروا ملاكاً لما يشترونه كل يوم – دون أن يشعروا بذلك.

هذه هي الفكرة التي قامت عليها «ميغروس» منذ نحو قرن. فقد تأسست في زيورخ عام 1925، وتحولت لاحقاً إلى اتحاد تعاوني يضم اليوم أكثر من مليوني عضو من المستهلكين. ومع الزمن نمت الفكرة الصغيرة لتصبح واحدة من أكبر مؤسسات التجزئة في أوروبا، إذ تبلغ مبيعاتها نحو 32 مليار فرنك سويسري سنوياً في بلد لا يتجاوز عدد سكانه تسعة ملايين نسمة.

لكن سر التجربة لا يكمن في فكرة التعاونية وحدها، بل في الحوكمة المؤسسية الصارمة التي قامت عليها، فميغروس ليست متجراً تعاونياً صغيراً، بل منظومة اقتصادية متكاملة تضم مصانع غذائية، وشبكات توزيع واسعة، وقدرة شرائية كبيرة تمنحها ثقلاً حقيقياً في التفاوض مع الموردين. وفي الوقت نفسه تخضع لإدارة احترافية وأنظمة حوكمة واضحة تفصل بين ملكية الأعضاء والإدارة التنفيذية، وهو ما سمح لها بالعمل وفق منطق السوق دون أن تفقد طبيعتها التعاونية.

من دون هذه الحوكمة يصبح المشروع التعاوني عرضة للفوضى الإدارية أو للمجاملات، وهي الآفة التي أضعفت كثيراً من التجارب التعاونية في العالم.

وهنا يطرح السؤال نفسه: ماذا تعلمنا تجربة ميغروس عن مصير التعاونيات الاستهلاكية في السعودية؟

في الحقيقة، عرفت المملكة تجربة الجمعيات التعاونية الاستهلاكية منذ الثمانينيات. كانت الفكرة بسيطة: أن يملك المستهلكون متاجرهم وأن يُوظّف فائض النشاط لتخفيف تكاليف المعيشة. غير أن هذه التجربة بقيت محدودة ولم تتحول إلى لاعب مؤثر في سوق التجزئة الذي نما بسرعة خلال العقود التالية.

والسبب لم يكن في الفكرة نفسها، بل في البيئة المؤسسية التي نشأت فيها، فالأطر التنظيمية ونظام الشركات في تلك المرحلة لم تكن مصممة لبناء مؤسسات تعاونية كبيرة ذات حوكمة حديثة ورأس مال واسع، بل كانت أقرب إلى جمعيات محلية محدودة الإمكانات. ومع توسع سلاسل التجزئة التجارية الكبرى، أصبحت المنافسة غير متكافئة.

ولو حاولنا تخيّل نموذج مشابه في السعودية اليوم، فإن الصورة تصبح لافتة. فالتقديرات السوقية تشير إلى أن قيمة تجارة التجزئة الغذائية في المملكة تقارب 230 إلى 250 مليار ريال سنوياً. ولو تمكنت تعاونية استهلاكية وطنية كبيرة من بلوغ حتى ربع هذا النشاط فقط، فإنها قد تدير مبيعات تتجاوز 60 مليار ريال سنوياً – وهو حجم يضعها فوراً بين أكبر شركات التجزئة في البلاد إلى جانب السلاسل الكبرى.

عند هذا المستوى لا تصبح التعاونية مجرد متجر، بل مؤسسة اقتصادية قادرة على التأثير في أسعار الغذاء وتحقيق قدر من التوازن في السوق.

الدرس الذي تقدمه ميغروس بسيط في ظاهره لكنه عميق في جوهره: التعاونيات لا تنجح بالشعارات، بل بالمؤسسات. فإذا توفرت الحوكمة الصارمة والحجم الاقتصادي الكافي والبيئة التنظيمية المناسبة، يمكن للتعاونية أن تصبح أحد أقوى اللاعبين في السوق – لا بديلاً هامشياً له. وربما يكون الفارق اليوم أن البيئة التنظيمية والاقتصادية في المملكة، في ظل رؤية 2030 والاهتمام المتزايد بسلاسل الإمداد الوطنية، تختلف جذرياً عما كانت عليه عندما ظهرت التجارب التعاونية الأولى قبل أربعة عقود.

وعندها قد لا يبدو السؤال: لماذا نجحت «ميغروس» في سويسرا؟ بل سؤالاً آخر أكثر قرباً: متى تظهر تجربتنا السعودية؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى