مرآة الغزالي؛ حين يعكس الدينار كل شيء إلا الإنسان
سعيد محمد بن زقر
كاتب في الشأن الاقتصادي
2/6/2026
بعد الأزمة المالية العالمية في 2008، بدأت ألاحظ أمرًا لم يكن واضحًا لي قبلها. كانت شركاتنا تنمو الأرباح تتحسن، والتوزيعات ترتفع، والقوائم تزداد متانة. لكن العاملين فيها لم يكونوا يشعرون بالنمو ذاته. قبل الأزمة لم تكن الزيادات عادلة دائمًا ولا شاملة، لكنها كانت تكفي ليشعر العامل بأن دخله يحاول، ولو جزئيًا، أن يلاحق الحياة.
بعد الأزمة تغير الإيقاع. صعدت الأرباح، وصعدت معها تكاليف المعيشة، أما راتب الموظف فصار بين بين: يتحرك قليلًا، لكنه لا يتقدم. من كانت له مدخرات رأى قيمتها تتآكل، ومن لم تكن له مدخرات وجد نفسه أقرب إلى الدين عند أول فاتورة مفاجئة: علاج، أو تعليم، أو إيجار، أو التزام عائلي لا ينتظر.
ولست أعني بـ “التضخم” معناه الفني وحده، بل ما يعرفه الناس في يومهم أن الراتب صار يشتري أقل، والشهر صار أطول من الدخل، والإنسان صار يعمل أكثر ليبقى مكانه. وهي في البيوت ليست رقمًا، بل قلق يجلس إلى المائدة كل مساء.
ذهبت بما يحيرني إلى والدي، رحمه الله. ابتسم وقال: “ليش زعلان إذا ربحك زاد؟” قلت: لستُ زعلانًا من الربح، لكني كنتُ أخاف أن يكون الربح قد صار يرى نفسه، ولا يرى من عمل له؛ أن يأخذ الدينار مكان الإنسان في ميزاننا. فقال: “هكذا أمور الدنيا، وفّ التزامات بيتك، وإن استطعت فادَّخر، وخصّص للسائل والمحروم، وإذا شعرت بذنب فتصدّق.” وأعطاني أرقام أصدقائه، فزرتهم، فإذا الجواب واحد.
لم يُطفئ ذلك فضولي؛ فقد كان جوابًا عن كيف أعيش مع المفارقة، لا عن سببها. فعدتُ أقرأ الاقتصاد من قديمه إلى حديثه، ووجدتُ في بعض الكتابات الحديثة سؤالًا قريبًا من حيرتي: ليست العبرة بكمية النقد وحدها، بل بمجرى أثره في حياة الناس. فتوقفت؛ لم يكن هذا جديدًا، كان الغزالي قد قاله قبل تسعة قرون.
فالغزالي، رحمه الله، لم يتحدث عن الدراهم والدنانير بوصفها مالًا كسائر الأموال، بل بوصفها نقدًا؛ وسيطًا ومقياسًا بين الأشياء. يقول: “فخلق الله تعالى الدراهم والدنانير حاكمين متوسطين بين سائر الأموال، إذ لا غرض في أعيانهما”. فالدينار ليس طعامًا ولا لباسًا ولا مسكنًا ولا دواء، لكنه طريق إلى ذلك كله؛ هو كالمرآة؛ لا لون لها، لكنها تحكي كل لون.
لكن المرآة ليست بيت القصيد، بل طريقه إليه. فالنقد وُجد ليجري بين الحاجات، ويفتح طريق الانتفاع بها. فإذا حُبِس عن مجراه، أو احتُجِز غاية في ذاته، تعطلت حكمته ولا أزعم أن كل ربح كنز، ولا أن كل انتقال للقيمة ظلم. فالربح حق، والتوزيع حق، لكن سؤال الغزالي يفتح بابًا أعمق وجهة الجريان. فالنقد قد يجري، لكنه لا يجري دائمًا إلى ما يعمر الحياة.
وهنا لا أختبئ خلف “نحن” مريحة. فأنا لم أكن شاهدًا على هذا العالم من خارجه، بل طرفًا فيه. رأيت القوائم، وعرفت كيف تقرأ الأرباح بدقة، والتكاليف بحزم، ويُفرح بالتوزيعات؛ ورأيت أن سؤال العامل غالبًا يحضر بوصفه بند تكلفة، لا بوصفه شريكًا في أثر النمو. ثم حملتُ السؤال إلى حيث يُتَّخذ القرار: في تمثيل الصنَّاع، وفي مجالس تُناقش فيها الصناعة والاستثمار. وهناك تبين لي أن سؤال العامل لا يطرح نفسه؛ على المرء أن يُلِحّ، وإلا مرّ الاجتماع دون أن يُذكر.
ثم تبين لي أن ما رأيته ليس حالة خاصة. فحين عدتُ إلى أرقام النقد، وجدتُ النمط نفسه على اتساعه: ليست المشكلة في ندرة المال، بل في سرعة دورانه واتجاهه. فهو حاضر في الميزانيات والأصول والتوزيعات، لكنه أبطأ حين يصل إلى الأجور والقدرة الشرائية؛ ريال يجري سريعًا في الدائرة المالية، ويتباطأ حين يقترب من التاجر الصغير والأسرة. ما لمسته في قوائمنا صورة مصغرة لما يجري في الكتلة كلها: المال موجود، لكن مجراه ضاق. ولهذا تفصيل في موضعه.
ليست القضية أن نعادي الربح. فالشركة التي لا تربح لا توظف، ولا تتوسع، ولا تستمر. لكن الخلل يبدأ حين يصير الربح غاية مكتفية بذاتها، ولا يُسأل بالصرامة نفسها عن العامل الذي حمل جزءًا من النمو.
الدينار لا لون له، لكنه يكشف ألواننا نحن: هل نرى العامل شريكًا في العمران أم تكلفة تًُضبط؟ وهل نرى الراتب بندًا في المصروفات أم حياة تقف خلف الرقم؟
فإذا لم نسأل عند كل ربح من حمل كلفته ومَن لم يبلغه أثره، صارت المرآة صافية في الحساب، معتمة في الضمير.
فالحل، في آخر الأمر، ليس في الدينار. الدينار مرآة، والمرآة لا تُصلح نفسها.
