حين تهمس الأسواق

سعيد محمد بن زقر
كاتب في الشأن الاقتصادي

في الثالث من مايو 2025، وفي نهاية جلسة الأسئلة والأجوبة باجتماع المساهمين السنوي في أوماها، فاجأ وارن بافيت الحضور – ومجلس إدارته قبلهم – بجملة لم تكن مدرجة في جدول الأعمال: حانت اللحظة كي يصبح غريغ أبيل الرئيس التنفيذي مع نهاية العام. الرجل الذي قاد بيركشاير ستين عاماً لم يخبر مديريه أولاً: أخبر مساهميه، وحين سُئل لاحقاً، قال إنه سيعرض ذلك على المجلس في اليوم التالي، ويثق بإجماعهم.

لم تكن القصة في تقاعد رجل، بل في توقيت تنحّيه: آخر المنصتين الكبار إلى همس السوق يُسلّم المقعد، والسوق لا يلتفت، وحين تسلّم أبيل المنصب فعلياً في يناير 2026، لم يتغير شيء جوهري في السياسة المالية: بيركشاير أنهت الربع الأول بنحو 397 مليار دولار في النقد وأذون الخزانة – أعلى رقم في تاريخها، وأكثر من مجموع ما يحتفظ به ثلاث من أكبر شركات التقنية في العالم.

كل سوق يبلغ لحظة خطرة حين يكفُّ المشاركون فيه عن مساءلته، ويبدأون في ترديد منطقه. عندها لا تعود الأسعار نتيجة للحكم، بل تصبح بديلاً عنه، وما كان في الأصل تجربة تاريخية يتحول إلى عقيدة: ابقَ مستثمراً، لا تخرج، ولا تحاول أن تكون أذكى من المؤشر.

الأرقام لا تقول إن السوق سينهار غداً؛ هذا ادعاء رخيص لا يستحق الكتابة. لكنها تقول إن بنية الثقة بالسوق بلغت درجة تستحق القلق. أعلى %10 من أصحاب الدخل باتوا يقودون قرابة نصف الإنفاق الاستهلاكي الأمريكي، ومؤشر شيلر للأرباح المعدلة دورياً يقف عند نحو 41، في النطاق الذي لم تبلغه إلا فقاعة 1999 قبل أن يفقد المؤشر نصف قيمته في عامين ونصف. وفي الوقت نفسه تجاوزت صناديق المؤشر %55 من صافي أصول الصناديق الأمريكية، وباتت أكبر عشر شركات في مؤشر 500 S&P تشكل قرابة %40 من قيمته السوقية – رقم أعلى مما كان في ذروة فقاعة التقنية عام 2000.

هنا لا تكمن المشكلة في صناديق المؤشر ذاتها. فهي ابتكار عقلاني: منخفض التكلفة، واسع الانتشار، ومناسب لمعظم المدخرين. المشكلة تبدأ حين يتحول العقلاني الفردي إلى بنية جماعية عمياء. صندوق المؤشر لا يسأل إن كان السهم غالياً؛ يشتريه بوزنه، وكلما ارتفع وزن السهم زاد شراؤه، وكلما زاد شراؤه تعزز وزنه. سبع شركات تكنولوجية بات وزنها وحدها أكثر من ثلث المؤشر، وكل دولار جديد يدخل صندوق مؤشر يذهب إليها بنسبة لا تطرح أي سؤال عن قيمتها. هكذا تتحول الثقة إلى ما يشبه الإيمان: تصفيق لا يسأل عمّ يُصفّق له، ومرآة يُصفّق فيها السوق لانعكاسه.

من هنا تكتسب بيركشاير معناها. الشركة التي صفّت ما يقارب 173 مليار دولار من حيازاتها في الأسهم بين 2022 و2024 – قلّصت أبل من قرابة نصف المحفظة إلى الخُمس، وخفّضت بنك أوف أمريكا بأكثر من النصف – وامتنعت واحداً وعشرين شهراً متتالياً عن إعادة شراء سهم بيركشاير ذاته من السوق، وتجلس اليوم على نحو 397 مليار دولار نقداً وأذون خزانة. الرجل الذي تهمس له الأسواق وصفها بأنها صارت “كازينو”، وقال – وهو الذي شهد 1987 و1999 و2008 – إنه لم يرَ الناس قط “في مزاج مقامر كما هم الآن”. ثم اختار الخروج من لعبة الكراسي الموسيقية قبل أن تتوقف الموسيقى. لا يتنبأ بانهيار قريب؛ ينتظر فحسب أن تبدأ جولة بأسعار جديدة.

التاريخ لا ينهار لأن الناس جهلوا الخطر دائماً، أحياناً ينهار لأنهم تعلموا درساً صحيحاً أكثر مما ينبغي في 1929، و1989، و1999، كان الدرس يعمل حتى توقف، وطول نجاحه هو ما جعل انعكاسه مدمراً.

الأسواق لا تصرخ حين تنكسر، تهمس قبل ذلك بطويل، والمشكلة دائماً في من توقفوا عن الإنصات – أو في أن آخر المنصتين قد خرج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى