حق التوكل؛ حين تغير قاموسي

سعيد محمد بن زقر
كاتب في الشأن الاقتصادي

مرّ عليّ حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه غير مرة؛ أن النبي ﷺ قال: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله؛ لرزقكم كما يرزق الطير؛ تغدو خماصاً وتروح بطاناً». والحديث أخرجه الترمذي وابن ماجه وأحمد، وحسّنه الترمذي.
كنت أسمعه غالباً كحديث عن الرزق، لكن هذه المرة لم يمرّ، وقف.
وقف بعد مداخلة كتبتها إحدى القارئات، لـ ب.. على مقالي: (يركضون للدنيا ويمشون إلى الله). قالت عبارة قصيرة: (فلا رزق بيد مخلوق). لم تكن العبارة غريبة في معناها، لكنها جاءت في موضعها، فدفعتني إلى الرجوع إلى أهل العلم، لا لأتكلم في باب كتبوا فيه كأنني صاحبه، بل لأفهم كيف ضبطوه.

رجعت إلى الغزالي في إحياء علوم الدين، في كتاب التوحيد والتوكل، فوجدت أن التوكل عنده ليس شعوراً عاماً بالراحة، بل باب متصل بالتوحيد وملاحظة مسبب الأسباب، لا التوقف عند الوسائط. ثم وقفت عند ابن القيم في مدارج السالكين، في منزلة التوكل، فوجدت العبارة التي أعادت ترتيب المعنى: «من تمام التوكل عدم الركون إلى الأسباب، وقطع علاقة القلب بها؛ فيكون حال قلبه قيامه بالله لا بها، وحال بدنه قيامه بها».

هنا تبدّل المعنى عندي، لم أعد أقف في الحديث عند: «لرزقكم» فقط، بل عند: «حق توكله». كان السؤال لم يعد: هل تؤمن أن الله يرزق؟ بل: هل اقترب توكلك من حقه؟ هل بقي هذا الإيمان حاضراً حين تضطرب الأسباب؟
ثم تأملت قوله تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ﴾ [الملك: 15]. فوجدت الجمع الدقيق: المشي للعبد، والرزق من الله. ونظرت في قوله تعالى: ﴿فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 10]. فرأيت أن الانتشار أوسع من طريق واحد.

قد يكون السعي في السوق، وقد يكون في عيادة مريض، أو قضاء حاجة مسلم، أو مساعدة أهل، أو حفظ بدن أحتاجه للعمل والسعي. وعلى ضوء ما قرره ابن القيم، بدأت أفهم أن ضعف التوكل قد يظهر حين يحصر الإنسان رزقه في السبب الذي يراه، أما حق التوكل فيفتح عينه على تعدد الأسباب ووحدة الرازق. ومن هنا بدا لي أن المشكلة أحياناً لا تكون أن الرزق لم يأتِ، بل أن القلب لم يرضَ إلا بالباب الذي رسمه. فالرزق لا يضيق لأن باباً أُغلق؛ إنما يضيق القلب حين يحبس فضل الله في طريق واحد.

فلا رزق بيد مخلوق. لكن هذه الجملة، كما أفهمها الآن، ليست دعوة إلى ترك الخلق، ولا إلى الانسحاب من الأسباب، ولا إلى الزهد في الحركة. بل هي تحرير للقلب وهو يتحرك. فالعبد لا يقطع الأسباب ببدنه، وإلا صار متواكلاً. ولا يسكن إليها بقلبه، وإلا صار عبداً لها. يمشي في السوق، ويطرق الباب، ويزور المريض، ويقضي الحاجة، ويحفظ بدنه ليستعين به على العمل والسعي؛ لكنه يفعل ذلك كله وهو يعلم أن الأبواب لا تفتح بذاتها، وأن الأسباب لا ترزق بذاتها، وأن الطريق الذي يراه ليس هو الطريق الوحيد إلى فضل الله.

لذلك لم أعد أفهم التوكل بوصفه اختياراً بين الله والأسباب، بل بوصفه ضبطاً للعلاقة بينهما: أن تقوم الجوارح بالأسباب، ويقوم القلب بالله.

ومن هنا تغير قاموسي: لم يعد التوكل عندي أن أترك السوق لله، ولا أن أدخل السوق ناسياً الله. بل أن أدخل كل باب مشروع بالله، وأن أخرج منه لله، وأن لا أظن أن رزقي محبوس في الباب الذي قصدته.

تمام التوكل، كما فهمته من هذه الرحلة، ليس قعوداً ولا هلعاً. هو حركة عبد في أبواب الله، وقلب لا ينسى أن الفاتح هو الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى