بين البناء والتشغيل: سؤال الريال
اختلف أبو ذر الغفاري وأمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنهما حول معنى الكنز المذموم في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: 34]. ورجَّح جمهور الصحابة أن الآية لا تنطبق على المال الذي أُدِّيَت زكاته، وأن موقف أبي ذر كان اجتهادًا فرديًّا في معنى الزهد.
ولسنا هنا في مقام الترجيح الفقهي، ولا تنزيل الآية على واقع نقدي معاصر. إنما نستعير من الخلاف سؤالًا أوسع: هل يكفي أن يكون المال محفوظًا ومشروعًا، أم يجب أن يكون عاملًا في الناس والأسواق؟ فإذا كان السؤال القديم أخلاقيًّا وفقهيًّا، فإن صيغته المعاصرة اقتصادية وتشغيلية: متى يصبح الريال الجالس أقل نفعًا من الريال الذي يدور؟
في فبراير 2026، تجاوزت السيولة في الاقتصاد السعودي 3.289 تريليون ريال، بنمو سنوي بلغ 8.4%. وفي المقابل، بلغ الناتج المحلي الاسمي لعام 2025 نحو 4.789 تريليون ريال. وبقراءة تقريبية للعلاقة بين الناتج والسيولة، يبدو أن إيقاع دوران الريال أبطأ مما كان عليه قبل عقد؛ إذ كان كل ريال يدور قرابة 1.8 مرة في السنة، مقابل ما يقارب 1.5 مرة اليوم. وهذه قراءة تقريبية لا تدّعي القياس الفني الكامل لسرعة دوران النقود، لكنها تكفي لبيان الاتجاه.
والأهم من حجم السيولة هو مكان جلوسها. جزء كبير من الزيادة السنوية لم يذهب إلى ودائع تحت الطلب، بل إلى ودائع زمنية ذات عائد أعلى. وفي الوقت نفسه، أشار صندوق النقد الدولي في تقرير المادة الرابعة لعام 2025 إلى ارتفاع التزامات البنوك السعودية الخارجية إلى 486 مليار ريال بنهاية أبريل 2025. أي أن السؤال ليس: هل توجد سيولة؟ بل: أي سيولة؟ وأين تجلس؟ وبأي سرعة تتحول إلى ائتمان وإنتاج ودخل؟
هذه الأرقام ليست خللًا في ذاتها، بل نتيجة اختيارات سيادية كبرى خدمت الاستقرار طويلًا: ربط الريال بالدولار، وتمويل التحول الاستثماري الكبير، والحفاظ على أمان مالي مرتفع في عالم مضطرب. لكن كل اختيار ناجح يحمل معه كلفة تشغيلية في مرحلة ما.
ففي مرحلة البناء، يمكن للسيولة البطيئة أن تتحول إلى أصول ثابتة: مطارات وموانئ ومدن ومناطق صناعية وشبكات لوجستية. أما في مرحلة التشغيل، فيتغير السؤال. لم يعد السؤال: من يمول؟ بل: من يشتري؟ من يعمل؟ ومن يخلق دورة دخل جديدة حول الأصل الثابت؟
هنا يظهر الفرق بين الريال الذي يحفظ القيمة والريال الذي يصنع القيمة. الأول مهم للاستقرار، ولا اقتصاد يزدهر من دون ثقة واحتياط وأمان. لكن الثاني هو الذي يحرك المصانع والمتاجر والمطاعم والمقاولين الصغار وسلاسل الإمداد. الأول يحمي الاقتصاد من الصدمة، والثاني يمنحه القدرة على النمو بعدها.
عاد أبو ذر إلى الربذة، ومات وفيًّا لقناعته بأن المال إذا انقطع أثره صار عبئًا، ولو كان في أصله مشروعًا.
ولسنا نستدعي تلك القصة لنحاكم بها اقتصادًا معاصرًا، بل لنستعير منها سؤالًا قديمًا بصيغة جديدة: هل يكفي أن يكون المال محفوظًا، أم يجب أن يكون عاملًا؟ بعد مرحلة بناء كبرى، يصبح هذا السؤال وطنيًّا بامتياز. فالأصل الذي لا يعمل يبقى أصلًا، أما الريال الذي يدور فهو الذي يحوّل البنية إلى حياة، والأصل إلى دخل، والسيولة إلى اقتصاد.

