وارش، والريال؟

سعيد محمد بن زقر
كاتب في الشأن الاقتصادي

لم يعد السؤال في كثير من العواصم افتراضياً تماماً: ماذا سيعني وصول كيقن وارش إلى رئاسة الاحتياطي الفيدرالي، بعد أن أصبح انتقال المنصب، وفق المعطيات المعلنة، أقرب إلى مسألة إجرائية منه إلى احتمال سياسي؟ لكن هذه الصياغة، على أهميتها، تبقى مريحة أكثر مما ينبغي، فهي تجعلنا ننتظر قراراً في واشنطن، ثم نسأل كيف نتكيف معه، بينما السؤال الأعمق هو: لماذا تقبل دولة ذات سيادة أن تصبح كلفة قرار نقدي أمريكي جزءاً مباشراً من معيشة أسرة سعودية ومن ميزانية شركة سعودية؟

الربط بالدولار ليس قدراً جغرافياً، بل سياسة سيادية اختبرت في زمن كانت فيه أمريكا أكبر مستورد للنفط السعودي، وكان الدولار مركز تسعير الطاقة والتمويل العالمي. ذلك الظرف تغير، إذ أصبحت الصين اليوم الوجهة الأكبر للصادرات السعودية، فيما تأتي أغلب السلع التي نستهلكها من جغرافيا لا تصوّت في الفيدرالي ولا تسعّر تكاليفها بالدولار وحده. وبحسب تقديرات 2025، بقيت حصة الولايات المتحدة من الواردات السعودية قريبة من العشر أو دونه، بينما تقدّمت الصين وآسيا وأوروبا في هيكل الواردات. ومع ذلك يبقى الربط قائماً، ويبقى السؤال المؤجل معه قائماً: لا هل نفك الربط كشعار، ولا هل ندافع عنه كعقيدة، بل كيف ندير كلفته التوزيعية حين تتغير خريطة التجارة وتبقى السياسة النقدية مستوردة؟

وارش، في هذا المعنى، ليس القضية كلها. هو مناسبة تكشف هشاشة أوسع. فحينا يغيّر الفيدرالي مسار الفائدة أو تركيب ميزانيته، لا يبقى الأثر في وول ستريت، ينتقل عبر الدولار، ثم يظهر في السايبور، وفي كلفة التمويل، وفي أسعار الواردات، وفي هوامش الوسطاء، ثم يصل في النهاية إلى الرف. ما يبدو في نيويورك إعادة تسعير لأصل مالي، قد يظهر في الرياض لاحقاً كسعر دواء، أو جهاز، أو مدخل صناعي، أو كيس علف.

خفض الفائدة يهبط بالسايبور غالباً، وهذا متنفّس للمقترض، لكن القناة الأخطر ليست الفائدة وحدها، بل سعر الصرف الفعلي. حين يضعف الدولار أمام اليورو أو الين أو الرنمينبي، يضعف الريال معه بحكم الربط. صحيح أن جزءاً كبيراً من الفواتير يُسعّر بالدولار، لكن المنشأ النهائي أوسع: مكائن أوروبية، مدخلات آسيوية، أعلاف وزيوت من سلاسل عالمية، سيارات وأجهزة من اليابان وألمانيا وكوريا والصين، وأدوية وإلكترونيات ومواد بناء. الأثر لا يظهر فوراً، بل يتسلل بعد دورة توريد وتسعير ومخزون، ويتضاعف أو يهدأ بحسب قوة التسعير لدى الوكلاء والموزعين والوسطاء العالميين.

هنا تصبح المسألة سياسية بقدر ما هي نقدية، حين يصل التضخم المستورد إلى الرف، يتوقع المواطن أن تتحرك السياسة العامة لحمايته. لكن الموقف الافتراضي في وزارات المالية الخليجية يميل إلى الانضباط المالي، والثقة بآلية السوق، وعدم التدخل التوزيعي إلا في حدود ضيقة. هذا الميل مفهوم، لكنه ليس محايداً بالكامل. فالحياد الظاهري أمام صدمة مستوردة يعني عملياً أن الأسرة قد تتحمل جزءاً من كلفة قرار سيادي اتُّخذ خارج حدودها. وليس المطلوب أن تكسر الدولة انضباطها المالي، بل أن تعرفه تعريفاً ذكياً: حماية القدرة الشرائية عندما تكون الصدمة مستوردة لا محلية. يمكن أن تكون الأداة مؤقتة ومحددة ومحصوبة: خفض انتقائي لبعض الرسوم أو الضرائب، على سلة أساسية، تحويل نقدي يعادل أثر التضخم على الفئات الأشد تعرضاً، أو رقابة أشد على الهوامش وسلاسل التسعير حين تتحول تقلبات العملة إلى أرباح غير مبررة. الفرق هنا جوهري، الدعم الاجتماعي العام يطفئ الأثر بعد وصوله، أما الأداة المضادة للتضخم فتربط العلاج بسبب الصدمة وتغلق حلقة المسؤولية.

والمملكة لا تبدأ من الصفر. لديها أدوات هيكلية أعمق من النقاش التقليدي حول الدعم. الهيئة العامة للأمن الغذائي تدير مخزوناً استراتيجياً من السلع الأساسية، وسالك تحولت من ذراع استثماري خارجي إلى طرف مؤثر في منظومة التجارة الزراعية العالمية، خصوصاً بعد اتفاق رفع ملكيتها في Olam Agri إلى 80.01 في المئة. هذه ليست مجرد أصول في الخارج، بل نوافذ مبكرة على سلاسل الحبوب والزيوت والأعلاف قبل أن تتحول الصدمة إلى فاتورة محلية.

ولا يعني ذلك أن سالك تستطيع إلغاء أثر الأسعار العالمية، لكنها تستطيع أن تمنح صانع القرار رؤية مبكرة على المخزون، والمنشأ، وتوقيت الشراء. وهذه معلومات قد تكون، في لحظات التقلب، أهم من التدخل بعد وصول الصدمة إلى السوق المحلي. الفجوة إذن ليست في غياب الأدوات، بل في موقعها من قرار السياسة العامة. المخزون الاستراتيجي وسالك يُداران غالباً كمنشآت قطاعية، بينما يناقش التضخم في وزارة المالية والبنك المركزي وكأن هذه الأدوات لا تخصه مباشرة.

هنا ينبغي أن يتغير التصور: الأمن الغذائي ليس ملف إمداد فقط، بل أداة استقرار أسعار؛ وسالك ليست استثماراً خارجياً فقط، بل ذراع إنذار مبكر وموازنة سوقية يمكن أن تخدم سياسة مقاومة التضخم المستورد.

تزداد هذه النقطة أهمية لأن ربط سعر الصرف يحد بطبيعته من هامش السياسة النقدية المحلية. حين تستورد العملة مسار الفائدة الأمريكية، تصبح السياسة المالية والتنظيمية وسلاسل الإمداد أدوات التعويض الأساسية. السؤال ليس هل نلغي الربط، بل هل نملك نظاماً يقرأ كلفته مبكراً ويتدخل قبل أن تصل الصدمة إلى رف البقالة؟

ما يستحق المراقبة بعد 17 يونيو ليس قرار الفائدة وحده، بل لغة الفيدرالي حول ميزانيته واستقلاليته، ومسار الدولار أمام العملات العالمية الأخرى؛ واتساع الفجوة بين أثر السايبور على المقترض وأثر العملة على المستهلك. أما السؤال الذي ينبغي أن تطرحه الرياض على نفسها فهو أبعد من وارش: كيف نجعل أدواتنا المحلية أسرع من انتقال الصدمة إلينا؟ المشكلة ليست أن قرار الفيدرالي يصل إلى اقتصادنا؛ المشكلة أن أدواتنا لا تُستدعى أحياناً إلا بعد أن يصل أثره إلى جيب المواطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى