بين الكاف والنون؛ حين أراجع موضع قلبي
في ليلة من أواخر السنة، جلست إلى دفتر قديم أقيد فيه ما مضى من العام: مواعيد أُنجزت، وأبواب طُرقت، وأسماء انتظرت منها ردّاً طال. وبينما أقلّب الصفحات، توقّفت عند سطر كتبته منتظرًا وعد أحدهم، وتذكرت كم مرّة عاد قلبي إلى ذلك السطر قبل أن يعود إلى ربّه.
في الأيام التي تنتهي فيها السنة، لا أجدني أراجع ما كسبت وما فات فقط، بل أعود إلى سؤال أعمق: أين كان قلبي؟ عند أي باب أطال الوقوف؟ ولأي مخلوق أعطى من الرجاء ما لا يليق إلا بالله؟
كتبت من قبل عن حق التوكل حين تغيّر قاموسي، لكنني أكتشف كلما تقدّم العمر أن التوكل لا يغيّر الكلمات وحدها؛ بل يغيّر موضع القلب. يجعل الإنسان يأخذ بالأسباب دون أن يعبدها، ويطرق الأبواب دون أن ينسى الباب الأعظم.
ولهذا أعود إلى بيت قديم يوقظ النفس:
لا تَخْضَعَنَّ لِمَخْلُوقٍ عَلَى طَمَعٍ
فَإِنَّ ذَلِكَ وَهْنٌ مِنْكَ فِي الدِّينِ
فالخضوع ليس صورة ظاهرة دائماً. قد يكون انتظاراً مذلاً، أو خوفاً من فقد قبول، أو تعلقاً بيد لا تملك لنفسها نفعاً ولا ضرّاً. وقد يظن الإنسان أنه يطلب رزقه، فإذا به يضع شيئاً من كرامة قلبه عند مخلوق مثله.
ثم يأتي البيت الذي يردّ القلب إلى موضعه:
وَاسْتَرْزِقِ اللَّهَ مِمَّا فِي خَزَائِنِهِ
فَإِنَّمَا الأَمْرُ بَيْنَ الكَافِ وَالنُّونِ
وهنا يفتح أبو حامد الغزالي المعنى بهدوء أعمق، فالتوكل عنده ليس تعطيلاً للأسباب، ولا تركاً للسعي، بل تصحيح لمقام القلب. اليد تعمل، والعقل يدبّر، والإنسان يمشي في الأرض، لكن القلب لا يسكن إلى السبب كأنه ربّ صغير، ولا يرى الباب كأنه الخزينة الأخيرة. وللتوكل عنده درجات، أعلاها أن يكون العبد بين يدي الله كالميت بين يدي الغاسل؛ وهي مرتبة خاصة الخاصة، أما كاتب هذه السطور فما يزال من عامة العامة، يتعلم كيف يسعى دون أن يسكن إلى السبب.
ومن هذا الباب يفتح ابن القيم في «طريق الهجرتين» معنى الافتقار إلى الله. فالقلب لا ينجو بمجرد أن يترك التعلق بالخلق، بل حين يمتلئ بفقره إلى الله. فقد يترك الإنسان سؤال الناس وفي قلبه كبر، وقد يكتم جرحه وفي داخله قسوة؛ لذلك ليست العزة أن أستغني بنفسي، بل أن أفتقر إلى الله؛ وليست الكرامة أن أغلق قلبي، بل ألا أفتحه إلا في موضعه.
ومن هنا أفهم قول النبي ﷺ لابن عباس رضي الله عنهما: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله» رواه الترمذي.
ومراجعة موضع القلب تقود إلى مراجعة ما حمله القلب من جراح. ففي آخر السنة، أراجع جراحي أيضاً. ليس كل جرح يقال، ولا كل ألم ينفتح أمام الناس. وقد قيل:
إِنَّ الجِرَاحَ إِذَا خَبَّأْتَهَا شُفِيَتْ
فَاكْتُمْ جِرَاحَكَ لَا يُخْبِرْ بِهَا أَحَدَا
لكن كتمان الجرح ليس فضيلة مطلقة، كما أن نشره ليس شفاءً دائماً. هناك جرح يحتاج طبيباً، وجرح يحتاج ناصحاً أميناً، وجرح لا يليق أن يُلقى على كل مجلس.
وعلمتنا التجارب ألا نغتر بكل لين، ولا نصدق كل دمعة، قال المتنبي:
لَا يَخْدَعَنَّكَ مِنْ عَدُوٍّ دَمْعُهُ
وَارْحَمْ شَبَابَكَ مِنْ عَدُوٍّ تُرْحَمُ
وأدرك الآن أن مراجعة القلب هي مراجعة قاموس، فالخضوع للمخلوق ليس إلا خطأ في التعريف؛ سمّيتُ الباب خزينةً، والسبب رباً، والانتظار رجاءً. وحين يتغيّر موضع القلب، تعود الكلمات إلى تعريفاتها الأولى.
في نهاية السنة، لا أريد أن أقسو على نفسي، بل أن أعيد ترتيب المداخل في معجمي: الأسباب أسباب، لا آلهة صغيرة. الناس أبواب، لا خزائن نهائية. والجراح تُقال لمن يُؤتمن، لا لكل عابر.
فبين الغزالي وابن القيم تتضح لي وصية آخر السنة: اسعَ ولا تسكن إلى السبب، واعتزّ ولا تستغنِ عن الله، واكتم جرحك عن غير أهله، وافتح فقرك كاملاً لمن أمره بين الكاف والنون.
تلك خُطى السنة الجديدة، وأول الخطو أن تعرف أين تخطو.
