يركضون للدنيا ويمشون إلى الله
سعيد محمد بن زقر
كاتب في الشأن الاقتصادي
شدّني كلام سماحة الشيخ الدكتور ياسر الدوسري عن حركة الإنسان في القرآن. وجدتني أكرر المقطع كل يوم؛ لا أدري ما الذي كان يناديني فيه، ولا لماذا كان يرفض أن يمرّ في داخلي مرور العابر. كان شيئاً في العمق اهتزّ للآيات التي شرحها الشيخ، لا لأنها جديدة على السمع، بل لأنها كشفت لي انقلاباً في ترتيب النفس.
كان فهمي، منذ الصغر، أن السعي مرتبط بالدنيا. كنا نسمع في العامية: «اسعَ، والباقي على ربك». وكان المقصود دائماً: اسعَ في رزقك، في تجارتك، في وظيفتك، في طلب المعاش. صارت كلمة السعي في ذهني كلمة سوق وعمل وفرصة.
ثم جاء كلام الشيخ ليقلب هذا المعنى كله.
في الرزق، يقول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥]. سماها مشياً. وفي موضع آخر: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠]. انتشار وابتغاء، لكن بلا هلع ولا ركض.
أما إذا نودي للصلاة، تغيّرت اللغة: ﴿فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]. وإذا صار المقصود المغفرة، اشتد النداء: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]. ثم يرتفع المعنى: ﴿سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [الحديد: ٢١]. هنا وقع السؤال المؤلم: لماذا نركض للدنيا، ونمشي إلى الله؟
ثم، في الأيام نفسها، سمعت صوت الشيخ محمد صديق المنشاوي، رحمه الله، يتلو: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٧-١٨]. بتلك الطبقة من الصوت التي تهتز لها الصدور وتسيل لها الدموع. لم أسمع الآية كآية تصف قوماً بعيدين، بل كسؤال يواجهني: من هم؟
وجاء الجواب من السياق: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ [الذاريات: ١٥-١٦]. هم المتقون المحسنون؛ لا مصلّون في الظاهر فقط، ولا صالحون بالاسم فقط، بل قوم جمعوا بين رقابة القلب وجودة العمل. ناموا قليلاً، واستغفروا كثيراً، ثم لم يروا لأنفسهم فضلاً.
وسألت نفسي: ماذا كان سيقول الغزالي، رحمه الله، عن قلب يثور للدنيا ويهدأ عند باب الله؟ ربما كان سيقول إن القضية ليست في عدد الركعات وحده، بل في يقظة القلب: من يملك لهفتك الأولى؟ من يأخذ أحسن وقتك؟ من تسعى إليه إذا خلا بك الليل؟
ليست المشكلة أن نطلب الرزق؛ فالقرآن أمرنا أن نمشي في مناكب الأرض. المشكلة أن نعطي الدنيا فعل السعي، ونترك لله بقايا المشي؛ أن نستيقظ للسوق قبل موعده، ونتأخر عن الذكر بعد ندائه؛ أن نخاف فوات الصفقة أكثر مما نخاف فوات المغفرة.
ربما لهذا أكرر المقطع كل يوم؛ لأنه لم يشرح لي لفظة، بل صحح قاموسي الداخلي: الرزق يُطلب بالمشي، أما السعي الحق فإلى الله. والسؤال الذي لا يتركني: هل أنا ممن يمشون للدنيا ويسعون إلى الله؟ أم أنني، ككثيرين، أركض للدنيا وأمشي إلى الله؟
