مطبخ رومي

سعيد محمد بن زقر
كاتب في الشأن الاقتصادي

في واشنطن، وبمناسبة تخرج ابني من جامعة جورج واشنطن، جلسنا في مطعم إيراني اسمه (مطبخ رومي)، يحمل اسم جلال الدين الرومي. وعلى الجدار خلفي كانت تتكرر كلمات سعدي الشيرازي بطبقات ذهبية: في هذه الأرض الطاهرة، لا نزرع بذرة سوى المحبة.
كانت الغرفة تقول شيئاً، والشاشة في يدي تقول شيئاً آخر. في الداخل شاعر فارسي يتحدث عن المحبة، وفي الخارج حرب تدخل جيب الأمريكي من فوهة المضخة. سعر الجالون في المحطات بلغ 4.45 دولار في مطلع مايو، مرتفعاً 1.30 دولار عن العام الماضي، بعد إغلاق هرمز ودخول الحرب مع إيران شهرها الثاني.
لكن السؤال الحقيقي لم يكن: كم سيرتفع برنت؟ بل: كم بقي لصاحب القرار الأمريكي من وقت قبل أن يصل الارتفاع إلى البيت، ثم إلى صندوق الاقتراع؟
فالمخزون، في جوهره، ليس برميلاً فقط. المخزون وقتٌ مؤجل.
والناخب الأمريكي لا يرى خام برنت، ولا يقرأ خرائط المضائق. يرى لوحة محطة البنزين كل صباح. وحين تبدأ المضخة في لسع الجيب، يبدأ الاقتصاد في التحول إلى ذاكرة سياسية. استطلاع CNN في مطلع مايو وضع الرضا عن تعامل الرئيس مع أسعار الوقود عند 21% فقط: الأسوأ تاريخياً.
ثم تأتي السندات. فقد أنهى عائد سند الخزانة الأمريكية لعشر سنوات الأسبوع الماضي عند 4.59%، وبيوع سند الثلاثين عاماً فوق 5%. وإذا استقرت هذه المستويات، فلن تبقى رقماً في سوق الدين، بل ستصبح كلفة سياسية لا يغفرها الناخب.
وعائد السند ليس رقماً مالياً؛ هو سعر قسط البيت، وكلفة بطاقة الائتمان، وقسط السيارة، وقرار التوظيف. من شاشة بلومبرغ إلى طاولة العشاء، ومن طاولة العشاء إلى صندوق الاقتراع.
وفي الخلفية رقم لا يُطمئن: مكتب الميزانية يتوقع أن تتجاوز فوائد الدين تريليون دولار في السنة المالية 2026، فتسبق ميزانية الدفاع. هنا لا تبقى الطاقة مسألة أسعار: تصبح قيداً على الدولة، وذريعة على المواطن، ومبرراً لتقليص ما تبقى من برامج الدعم.

لهذا لا تملك واشنطن ترف الانتظار. فالحرب حين تطول لا تبقى في الخليج؛ تنتقل إلى ثلاثة أماكن أمريكية شديدة الحساسية: محطة البنزين، وسوق السندات، ومزاج الناخب.
وفي السياسة الأمريكية، أغسطس هو الروبيكون. من يصل إلى الأول من سبتمبر وثلاث جبهات لم تهدأ، يكون قد عبر إلى ضفة يصعب الرجوع منها: جبهة في المحطة، حيث المضخة تلسع جيب الناخب؛ وجبهة في الخزانة، حيث السندات تحرق ميزانية الدولة؛ وجبهة في النفس، حيث يتحول عدم الرضا إلى غضب، والغضب إلى قرار.
الغضب في المطبخ الأمريكي يتراكم أسرع مما يهدأ. يكفي شهر ليولد، ويلزم فصل لينسى. ومن يفقد أغسطس، لا يسترد نوفمبر.
رفعت عيني عن الشاشة. على الجدار شاعر فارسي يقول إن الأرض الطاهرة لا تُنبت إلا المحبة، وعلى الشاشة دولة كبرى تكتشف أن مخزونها لا يكفي لشراء صمت ناخبيها، وعلى الطاولة شاب سعودي يبدأ حياته في عاصمة لم تكن، قبل جيلين، تعرف اسمه ولا بلده.
ثلاثة مخزونات في غرفة واحدة: مخزون حكمة تراكم عبر ثمانية قرون فنيّة، ومخزون نفط استُهلك في أسابيع فلم يعد يحمي أصحابه، ومخزون إنساني يبدأ في شاب يحمل اسم بلده إلى ملعب وحياة جديدة.
بعض الأمم تخزن براميل لتشتري أشهراً. وبعضها يراكم ثقة وكفاءة وأبناء ليشتري قرناً.
وبين المخزون الذي يُستنزف، والمخزون الذي يُبنى، يمر التاريخ هادئاً في الظاهر، حاسماً في العمق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى