ضمائر الميثاق من صيغة الغائب إلى صيغة المتكلم
سعيد محمد بن زقر (كاتب في الشأن الاقتصادي).
يُحكى أن عائلة تجارية عريقة اجتمعت لتكتب ميثاقها، فاحتدم النقاش حول بند يقول: “يُمنع أي فرد من أفراد العائلة من منافسة الشركة”. كان البند واحدًا، لكن كل جالس في المجلس كان يقرؤه وهو يتخيل وجه قريب بعينه. ثم قام أحد كبارهم – وكان قليل الكلام – فقال: أعيدوا صياغته هكذا: “ألتزم أنا بألا أنافس الشركة”. الكلمات نفسها تقريبًا، لكن شيئًا ما انقلب في الغرفة. سكت المتخاصمون، لأن كل واحد لم يعد يقرأ البند على قريبه، بل صار يقرؤه على نفسه.
هذا الانقلاب الصغير في الضمير هو في ظني الفرق بين ميثاق يعيش وميثاق يُحنّط في الأدراج. فكثير من المواثيق التي تُكتب على الغائب تتحول مع الزمن إلى لوائح اتهام مؤجلة؛ كل بند فيها موجه إلى “هم”، إلى الطرف الذي نخشاه. ونصٌّ هذا مزاجه يقرأ الناس بميزان مائل: تسعٌ وتسعون حسنةً لا تُقيّد، وغلطةٌ واحدة تتقلب معولاً يُهدم به ما قدّمه صاحبها – وما سيقدّمه ما عاش. وهي تشبه دعاء من يقول عن خصمه “اللهم اجزه على قدر نيته” – وهو مقام مأذون فيه للمظلوم، لكن فوقه مقام أرفع. ومن روح ما قرره ابن القيم في منزلة التفويض من مدارج السالكين: أن العبد كلما صعد في التفويض قلّ التفاته إلى خصمه وكثر التفاته إلى ربه – بدل “خذ حقي منه” يقول “اكفني”. والميثاق الصادق يجري على ألسنة نفسها: من يفتتح ميثاقه بـ”نلتزم نحن” يكتب عهدًا؛ ومن يغلب على ميثاقه خطابُ المنع قبل خطاب التعهد، هيّأ النفوس للنزاع أكثر مما يهيئها للأمانة.
ولست أدعو إلى سذاجة تعاقدية؛ فالميثاق لا يقوم بغير نصوص تقريرية محكمة – “إذا خالف الشريك”، “يلتزم الورثة” – وقد فصّلتُ في “باب التخارج” حاجة العائلات إلى آليات خروج مكتوبة بدقة القانونيين. لكن المقصود أن يبدأ الميثاق بروح التعهد قبل لغة الجزاء؛ فالضمير المتكلم لا يُضعف الميثاق، بل يحرس البيت الذي كُتب لأجله.
وقد كتبتُ في “حق التوكل” أن تغيير القاموس يسبق تغيير الحال؛ ومن غير قاموس دعائه من “اجزه” إلى “اكفني” فقد نقل قلبه من المرافعة إلى الوكالة. والعائلة التي تفتتح قاموس ميثاقها بـ”أتعهد” قبل “لا يجوز له” تصنع النقلة ذاتها على مستوى البيت كله: تكفّ عن كتابة نص يفترض الخيانة، وتبدأ كتابة نص يستدرّ الأمانة.
فإذا اجتمعت عائلتك يومًا لتكتب ميثاقها، فانظر في ضمائر الأفعال قبل البنود. فإن غلب على النص الغائب، فاعلم أنها تُكتب عن خصوم متوقعين. وإن غلب عليه المتكلم، فاعلم أنها تُكتب عن أمناء متعاهدين. وكلاهما يرفع القلم كما يرفع الداعيان أيديهما – لكن القلبين في مقامين مختلفين.
