الزمن يحلّ اللي ما تعرف تحلّه
مما يجري على ألسنة الناس قولهم: لا تُعرف الرجال في المساجد ولا في المجالس، بل عند مفارق الطرق: عند الإرث، وعند الخصومة.
كتبتُ قبل أيام عن النفوس في الشراكات العائلية، فجاءني تعليق من رجل خرج لتوه من نزاع عائلي بلغ المحاكم، قال فيه بمرارة من عاش لا من قرأ: “لا توجد نفوس شاهدناها. الإنسان يقول أي شيء، وحتى الكذب، لأجل سهم أو مال أو سلطة. عند النزاع، النفوس تختفي”.
والرجل صادق فيما رأى، لكنه أخطأ في حرف واحد: النفوس عند النزاع لا تختفي، بل تنكشف. في الطريق الواحد يمشي الجميع متشابهين، والكل في المسجد يبدو خاشعًا، فهل اطلعت على القلوب؟ وفي الأثر عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، ما يفصل في هذا؛ جاءه رجل يزكّي آخر، فسأله: هل جاورته؟ هل سافرت معه؟ هل عاملته بالدينار والدرهم؟ فلما قال: لا، قال: لعلك رأيته في المسجد يرفع رأسه ويخفضه، ائتني بمن يعرفه. فالمسجد يُريك حركة الرؤوس، والمفترق يُريك القلوب على حقيقتها، وربما لم يكن المنكشف كاذبًا في المسجد، بل صادقًا صدقَ من لم يُمتحن بعد؛ فالنفس تخدع صاحبها قبل أن تخدع الناس.
وكبح جماح النفس عند الامتحان ليس بالأمر الهين؛ فهو يحتاج إلى علوّ الهمة، وصبر جميل، وإلى أن يُقيم المرء العدل على نفسه قبل أن يطلبه من غيره، وأن يقدّم المصلحة على هوى اللحظة. ولهذا صدق المتنبي حين قال:
إِذا كانَتِ النُفوسُ كِبارًا … تَعِبَت في مُرادِها الأَجسامُ
فكِبَر النفس لا يعني علوّ الطموح فحسب، بل سموّ الأخلاق أيضًا؛ فالقدرة على حمل أعباء الإنصاف، وكظم الغيظ، واحتمال مشقة الإصلاح حين يكون الإصلاح أثقل على الإنسان من الخصومة، هي من أعظم مرادات النفوس الكبيرة. وللشاعرة الأمريكية مايا أنجيلو كلمةٌ تُروى عنها: حين يُريك الإنسان حقيقته، صدّقه من أول مرة. لكن هنا تبدأ الطبقة التي يغفل عنها الغاضبون والمجروحون معًا: أن تعرف حقيقة الرجل لا يعني أن تكفّ عن حبه. كتبتُ مرة عن الوشم؛ صاحبه قد يخالف ما أجمع عليه أهل العلم، لكن الألم الذي يواسيه به حقيقي في صميمه؛ فلا أنت قادر على محاججته ببرودة المنطق، ولا أنت قادر على أن تنتزع عزّته من قلبك.
وكذلك الشراكة العائلية: خصمك عند المفترق ليس غريبًا تُغلق ملفه وتمضي، بل أخ أو ابن عم تعرف طفولته. المفترق يكشف المستور، لكنه لا يقدّم حلاً؛ لأن القلب والدفتر في صدر واحد. ويُروى أن رجلاً شكا إلى عمر امرأته وقال: لا أحبها، فقال: (أوكلُ البيوت بُنيت على الحب؟ فأين الرعاية والتذمم؟) فالبيوت لا يحفظها الحب وحده، بل الرعاية حين ينكشف ما ينكشف. ومن هنا تأتي الحوكمة؛ ليست ترفًا إداريًا، بل حكمة من أدرك أن النفوس تنكشف عند المفترقات، فقرر أن يصل بأهله إلى المفترق أصلاً. الميثاق قبل الميراث، والتخارج المنظّم قبل المحاكم؛ لأن الوقاية من الخصومة أيسر من علاجها، وما يُكتب في ساعة رضا، يغني عن سنوات من النزاع.
فإن سبقتك القسمة إلى المفترق يا صاحبي، وانكشف ما انكشف، وبقي في الصدر ما لا تحلّه محكمة ولا يحسمه منطق، فاذكر كلمة كان يرددها عمي وهيب ووالدي، رحمهما الله: “الزمن يحلّ اللي ما تعرف تحلّه”. والآن لعل الجميع فهم معناها، لكن القدر أراد أن أفهمها بعد وفاتهما. ولو كانا أمامي اليوم لقلت لهما: صدقتما؛ لكن الزمن وحده لا يحلّ شيئًا، وإنما يحلّه الله، والزمن ستره ووعاؤه. فالسنون لا تُصلح القلوب بذاتها، لكنها تمنحها فرصةً أن تهدأ، وأن ترى ما كانت تعجز عن رؤيته ساعة الغضب، فإذا أراد الله للصدور أن تلتئم، جعل الزمن بابًا من أبواب رحمته.
