فإذا برزوا من عندك – القرآن يجيب قبل أن يُسألوا (3/1)

سعيد محمد بن زقر (كاتب في الشأن الاقتصادي).

هذا مقالٌ واحد في ثلاثة أجزاء، وموضوعه صفحةٌ واحدة من سورة النساء.
يُراد لنا اليوم أن نصدّق أن حجية السنة قضية مفتوحة، يجادل فيها من شاء بما شاء، وأن قول القائل «يكفينا القرآن» رأيٌ يحترم موقعه من النظر. وهذا الكتيب يذهب إلى خلاف ذلك من طريق قصيرة؛ أن القرآن نفسه أجاب عن هذه الدعوى قبل أن تولد، في آيات متتابعة لا يفصل بينها فاصل، فمن احتج بالقرآن على السنة فقد احتج بكتابٍ يردّ عليه بنصّه.

في الجزء الأول نقرأ الصفحة نفسها: آية تجعل طاعة الرسول ﷺ عين طاعة الله، فأمره ونهيه وحيٌ وإن لم يُتْلَ في الصلاة. ثم آية تصف قومًا قالوا «طاعة» في الحضرة وبيّتوا غير ذلك بعد البروز، فإن كان هذا وصف من برز من مجلسه ﷺ أمتارًا، فكيف بمن برز عنه أربعة عشر قرنًا؟ ثم آية تعاتب من يقرأ ولا يتدبر، وآية تفرّق بين من «يُذيع» الأمر بغير علم ومن «يستنبطه» بصنعةٍ وأهلية – والبودكاست إذاعة، فالآية وصفت القوم ووسيلتهم.

وفي الجزء الثاني نمتثل لأمر الآية فنردّ الأمر إلى أهل الاستنباط؛ إلى الغزالي في المستصفى وقد جعل آية الاستنباط دليلًا على أن العلم صنعة لها شروطها، وإلى ابن القيم في إعلام الموقعين وقد التقط من إعادة فعل الطاعة في آية واحدة أن السنة وحيٌ مستقل الحجية، وأن الردّ إلى الرسول بعد وفاته ردٌّ إلى سنته، وإلا تعطلت الآية، وحاشا لكلام الله أن يتعطل.

وفي الجزء الثالث يجلس في صدر المجلس أقدم الثلاثة: الشافعي، ناصر السنة، وقد سئل عن دليل الإجماع من كتاب الله فقرأ القرآن ثلاث مرات حتى وقف على آية من السورة نفسها تجعل اتباع غير سبيل المؤمنين مشاقة للرسول ﷺ. فيكتمل العقد: أربع آيات من سورة واحدة – الطاعة وترتيبها، وطاعة الرسول عين طاعة الله، والعلم لأهل الاستنباط، وسبيل المؤمنين حجة – شرحها ثلاثة أئمة بينهم قرون، ولم يزد المتأخر على المتقدم إلا بيانًا.

وليس هذا عندنا ترفًا نظريًا، فالردّ إلى الكتاب والسنة نظامنا المكتوب في المادتين الأولى والسابعة من النظام الأساسي للحكم، عهدًا واحدًا من المؤسس إلى يومنا.
فمن شاء أن يعرف موقعه من هذه الصفحة فلينظر في عمله لا في دعواه: أيستنبط أم يذيع؟ والصفحة تجيب – قبل أن يسأل.

في صفحة واحدة من سورة النساء، أربع آيات متتالية لا يفصل بينها فاصل، تحسم قضية يُراد لها اليوم أن تبدو جدلًا مفتوحًا، لا تحتاج كتابًا آخر، ولا تحتاج أن تغادر الصفحة.
الآية الأولى تضع الأصل الذي لا أصل قبله: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ}، لم يقل: ومن يطع الرسول فقد أحسن، أو فقد اقترب. بل جعل طاعته عين طاعة الله، لا طاعة موازية ولا طاعة من الدرجة الثانية. فأمره ﷺ ونهيه وحيٌ وإن لم يُتْلَ في الصلاة، وهي المسألة التي حُسمت قبل ألف عام وكتبنا فيها ما كتبنا.

ثم لا تمهلك السورة، فالآية التالية مباشرة تصف قومًا كانوا في حضرة الرسول ﷺ أنفسهم: {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ}، وجهٌ في الحضرة، وتبييتٌ بعد البروز، فالطاعن في الوحي النبوي ليس ظاهرة حديثة انتجتها المنصات، بل نمطٌ قرائي موصوف منذ نزول الوحي.
وهنا قياس ينبغي أن يُكتب بماء الذهب: إن كان هذا وصف من برز من مجلسه ﷺ أمتارًا، فكيف بمن برز عنه أربعة عشر قرنًا ثم يبيّت إنكار وحيه الذي لا يُتلى، وقد أجمعت عليه الأمة جيلًا عن جيل؟ البروز في الزمان أشدّ من البروز في المكان، ولم تترك الآية التبييت يمضي بلا حساب: {وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ}، فالوحي محفوظ، والتبييت عليه مكتوب.

ثم تلتفت السورة إلى حججهم قبل أن ينطقوا بها: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ}، تأمل: لم يقل أفلا يقرؤون، ولم يقل أفلا يحفظون. فالذي يقول «يكفينا القرآن» ثم يضرب بسنة رسوله عرض الحائط إنما يقرأ ولا يتدبر، ولو تدبّر حقًا لأوصله تدبّره إلى الآية التالية في الصفحة نفسها، وهي التي تهدم دعواه من أساسها.
{وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ}، في الآية مقابلة لفظية تصلح وحدها مقالًا: «أذاعوا» في مواجهة «يستنبطونه»، الإذاعة سلوك العامة المستعجلة التي تلتقط الأمر فلتنشره قبل أن تفهمه، والاستنباط علم وتخصص وصنعة لا يحسنها إلا أهلها. والقرآن الذي يحتجّون به يحيلهم بنصه الصريح إلى الرسول وإلى أولي الأمر وإلى أهل الاستنباط، لا إلى المنابر المفتوحة لكل من ملك جهاز تسجيل.

والمفارقة التي لا تحتاج إلى شرح: أن منكري السنة اليوم ما زالوا على الوصف القرآني حرفًا بحرفًا، فما البودكاست إلا إذاعة، أخذوا أعظم أمر جاءت به الأمة فأذاعوا فيه بغير علم، ولو ردّوه إلى الذين يستنبطونه لعلموه. الآية لم تصف زمانهم فحسب، بل وصفت وسيلتهم.
وأشهد أني وأنا أقرأ هذه الآية قرأتني هي: أمرتني أن أرَدّ الأمر إلى أهل الاستنباط، فلم أملك إلا أن أطيع. فعدتُ إلى مجلسٍ جلس عند هذه الصفحة قبلي بقرون.
(يتبع)


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى