عنتر وسيسي – الجزء الثاني: من ملأ الفراغ؟
سعيد محمد بن زقر (كاتب في الشأن الاقتصادي).
في الجزء الأول حكيت عن كلب صرف روحه الوحيدة لأعيش، وقطة صرفت سبعاً من أرواحها وعاشت، وجيل طاح وتعوّر وغرق وأنقذ بعضه بعضاً، وآخرين ماتوا غرقاً أو إصابة أو دهساً. واعترفت: الأنظمة التي جاءت بعدنا كُتبت بدم حقيقي وكانت ضرورية. لكن سؤالي بقي معلقاً: نحن الذين عشنا، ماذا اكتسبنا؟ ومن ورث ذلك الفراغ؟
كان يقال لنا: اذهب وحصّل شيئاً تفعله، أو سنأمرك بأن تفعل ما لا تحب. فخرجنا نخترع أيامنا. طفل اليوم لا يُقال له شيء، لأنه لا يحتاج أن يخرج أصلاً؛ في يده جهاز يملأ يومه عنه. نحن لم نمنع أولادنا من الشارع فقط؛ أغنيناهم عنه. وعشتُ الدليل القاطع في إغلاق كوفيد: شهدتُ أطفالاً حياتهم كلها داخل البيت على هذا السم الذي اسمه أيباد، تصرف أيامهم كاملة عليه، والبيت ساكن سكون المقابر وكلٌّ في جهازه.
وعند باحثي سلامة الأطفال – أهل الأنظمة أنفسهم – تفريقٌ يفضح ما فعلناه: المهلك ما لا يراه الطفل ولا يقدر على تقدير خطره، ويُحجب عنه بلا نقاش. والمخاطرة ما يراه ويقرر فيه، وتُتاح له ليتعلم. الشفروليه رأيتها وسمعتها فتعلمت. أما الخوارزمية التي تدرس طفلك لتُمسكه فلا يراها ولا يقدّر خطرها؛ فهي مهلك بالتعريف الحركي. وهكذا انقلبت المعادلة عندنا: صادرنا المخاطرة الصغيرة المرئية التي يتعلم منها، وأطلقنا في حجره مهلكاً خفياً يعمل عليه بالساعات. حجبنا ما يُرى، وأتحنا ما لا يُرى. وقد وجد الباحثون أن غياب اللعب الحر يرتبط بازدياد القلق؛ جيل سليم الجسد قلِق الصدر، لا تشرح كسورُه قلقَه لأنه لم يُكسر فدّ.
بل حتى تربية الضمير انقطعت. تجربتي على سيسي وقعت في الصالة أمام العيلة، فجاءتني نظرة عمتي في اللحظة نفسها – «وي سعيد» – فنبت في صدري رقيب رافقني عمري. هذا منهجنا نحن: الحياء رقيب داخلي يُزرع بنظرة، لا بكاميرا ولا لائحة. لكن أخطاء أولادنا اليوم تقع خلف شاشة وجهها لا يقرؤه أحد غيرهم؛ فلا عمة ترى، ولا نظرة تصل، ولا رقيب ينبت. ونحن غرقنا وأنقذنا بعضنا لأننا كنا معاً في الماء؛ أطفال الأجهزة يغرق كلٌّ وحده في جهازة، وهم جالسون في صالة ولسنا محتاجين استيراد حلّ كما لم نكن محتاجين استيراد الداء بهذا الإسراف. عندنا الأصل: بيت العيلة الذي يجتمع، والحارة التي تُشرف بلا إشراف، والفزعة، والحياء، والرؤية تبني اليوم ملايين الأمتار من الساحات والحدائق؛ فرصة لا تتكرر لنكتب كودنا الخاص للعب، بسؤال فرْز واحد على كل بند: أيحجب هذا البند مهلكاً لا يراه الطفل، أم يصادر مخاطرة يتعلم منها؟ الأول يبقى، والثاني يُعاد فيه النظر. ولنبدأ بأخطر بند: الجهاز في يد الطفل مهلك لا مخاطرة؛ يُعامل معاملة الخط السريع؛ لا نلغيه، بل نبني له جسور عبور: في الصالة لا في الغرفة، بساعات معلومة، وعينٌ ترى الشاشة كما كانت عين عمتي ترى الصالة.
عنتر مات لأن مهلكاً لم يُحجب. وسيسي عاشت لأن طفلاً وجد من ينظر إليه في اللحظة الصحيحة. أولادنا اليوم بين الاثنين: مهلك في أيديهم لم يُحجب، ونظرةٌ يستحقونها لا تصلهم.
مرجع تفريق المهلك والمخاطرة ومعيار «من يقدر الضرورة لا بأقصى قدر ممكن»: بيان الجمعية الكندية لطب الأطفال حول اللعب الخطر (٢٠٢٤)، والمراجعة المنهجية لبروسو وزملائها، المجلة الدولية لبحوث البيئة والصحة العامة (٢٠١٥).
