أكاد أشك فيك

سعيد محمد عبيد بن زقر (كاتب في الشأن الاقتصادي).

في مجلس بجدة، في «بشكة» صديقي منذ الطفولة، حمي اللعب، وجاءت لحظة القرار: يرمي اللاعب ورقته أو يمسكها، والجواب كله في اليد التي عن يساره؛ والذي عن يساره وحده يدري. رفع أحد الشباب عينيه في وجه جاره وقال: «أكاد أشك فيك كما أشك في نفسي».. ضحك المجلس، وصار البيت يُقال كلما وقف قرارٌ على يدٍ لا تُرى. لكن هذا البيت ما وُلد في مجلسنا؛ وما وُلِد هكذا أصلًا.

وُلِد في ديوان أمير. قاله الأمير عبدالله الفيصل رحمه الله في «ثورة الشك»، يخاطب من اتهمها الناس: (أكاد أشك في نفسي لأني أكاد أشك فيك وأنت مني؛ يقول الناس إنك خنتَ عهدي، ولم تحفظ هواي ولم تصني). ثم حملته حنجرة أم كلثوم فانقلب شكوى امرأة لرجلها؛ الحروف هي هي، والاتجاه قلبه الصوت. ثم فعل الناس بالقصيدة ما اشتكت منه: نازعوا في مناسبتها وتناقلوا فيها ما لا يثبت. ثم هبط على مجالس الورق، فقدّمت المجالسُ ما أخّره الأمير وبدّلت «لأني» بـ«كما»، وصار مزحةً بين الأصحاب.

قف هنا. كلماتٌ محفوظةٌ في ديوان مطبوع، مغناةٌ بأشهر حنجرة عرفها العرب؛ لم تصل من مجلس إلى مجلس سليمة؛ قُلبت ألفاظها وقيل فيها ما لا يثبت. فكيف بكلمة قالها شريك في مجلس مغلق، لا ديوان يحفظها ولا حنجرة تشهد لها؟ ولهذا البيت محطة أخيرة لا يضحك فيها أحد: مجلس عائلة، وشريكٌ يرمق شريكه ويردده في سرّه. من أين جاء الشك؟ من حيث جاء في القصيدة: من قول الناس. كلمة في مجلس، وهمسة في مناسبة، وسمعنا أنَّ؛ فإذا الريب ساكنٌ في البيت لا يدفع إيجارًا. ثم يجيء من يغلق باب الدواء؛ نقول له نكتب، فيرد: (تكتب بيني وبينك؟ أما تثق بي؟) فصار الدفتر تهمة، والكتابة سوء ظن، وبقي الشك حرًا طليقًا.

فماذا قال الله؟ أطول آية في كتابه ليست في العقيدة ولا في الجهاد – جاءت في شأن الدِّين وتوثيقه بين المؤمنين أنفسهم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} (البقرة: 282)، وعلّتها في الآية ذاتها: {ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلَّا تَرْتَابُوا}– أي أقرب ألا تشكّوا. فالدفتر في كتاب الله دواء الريب، ومن جعل الكتابة نقيضًا للثقة، قلب الدواءَ داءً. والثقة الحقيقية ليست التي تخاف من الدفتر – الثقة الحقيقية هي التي تطلبه.

وللريب دواءٌ ثانٍ رأيته بعيني. كان والدي رحمه الله وأعمامي يرددون أن أهم ما في العمل العائلي أن يعرف شريكُك أنك حين تغلط عليه – وستغلط حتمًا، فنحن بشر – كان غلطك عن حسن نية. وكانوا أحرض ما يكونون على اجتماعهم الأسبوعي خلف باب مغلق، يتصايحون ويحتدّون حتى يظن من في الخارج أن الشراكة انتهت. فإذا فُتح الباب تركوا كل ما جرى في الحجرة، ومضوا إلى «بيت بن زقر» على طريق المدينة لغذاء سمك «التوتية» مع الأهل والأصحاب: «حبايب، سمنٌ على عسل».

الدفتر يحرس المال، وحسن النية والباب المغلق يحرسان القلوب. أما البلوط فالشك فيه مشروع، لأن اللعبة قامت على إخفاء اليد – والبيوت ما بُنيت لتُلعب. فاكتبوا الميثاق في زمن الرضا يكن «أدنى ألا ترتابوا» في زمن الغضب، واختلفوا خلف باب مغلق، وتغذّوا بعدها «حبايب» – حتى لا يجلس شريكٌ قبالة شريكه كما يجلس لاعبٌ قبالة خصمه، يقول في سرّه: أكاد أشك فيك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى