قاموسان تحت سقف واحد

سعيد محمد عبيد بن زقر (كاتب في الشأن الاقتصادي).

تقدَّم لابنته شاب، فسأله الأب على عادة الآباء: من تجالس؟ وماذا تتابع؟ فأجاب الشاب بثقة من لا يرى في السؤال حرجاً، وسمَّى ما يتابع ولم يُخفِ شيئاً، ثم أضاف مطمئناً: «لكني لا أفعل ما يفعلون». تعجَّب الأب، لا من الجواب، بل من سرعته وثقته؛ فالذي سمَّاه الشاب متابعةً ومحتوى، يعرفه الأب في قاموسه باسم آخر: مجالس السخط. وتكرر المشهد مع غير شاب، حتى وجد الأب نفسه أمام جيل يرى أن ما كان يُستحيا منه صار هو المعتاد. لم يتغيَّر السؤال. الذي تغيَّر هو القاموس.

فالذي تغيَّر ليس تكاليف الزواج وحدها، بل الصورة الذهنية للمشروع نفسه، وتغيَّرت تغيُّراً جذرياً في مدة قصيرة. بثٌ كثيف تسوقه الخوارزميات بقوة الميزانيات، أدخل على مجتمعنا قاموساً من باب التسلية: «هذه حياتي وأنا حر فيها»، «ربي في قلبي وهذا شأني»، «من قال إن هذا حرام؟». وما اقتحم هذا القاموس داراً عامرة؛ بل وجد فراغاً فسكنه. ولا يصح أن يُدخل على الناس قاموسٌ ثم لا يُحمى قاموسهم ولا يُطوَّر، حتى يستطيع الشاب أن يأخذ الصالح ويترك الطالح.

ومع القاموس الجديد دخلت ظاهرة ثانية: الصرف والاستدانة. في أسبوع واحد فقط مرَّ عبر نقاط البيع أكثر من ١٦,٣ مليار ريال، والقروض الشخصية بلغت ٥٢٥ مليار ريال في الربع الثاني ٢٠٢٦، ثم رُفع سقف التمويل القائم للعميل الواحد في الدفع الآجل من خمسة آلاف إلى عشرة آلاف ريال. وأخشى أن القاموس الذي غيَّر صورة الحياة الطبيعية وجد أمامه أدوات تمويل جعلت اللحاق بتلك الصورة أسهل من أي وقت مضى. فالشاب الذي يَقْنع أن مستوى معيشة معيناً هو الطبيعي، ويُمنح أداةً تُقسّطه له بلا احتكاك، يصل سن الزواج وقد التزم شهرياً بما لا يترك للبيت شيئاً. ثم نلومه على العزوف.

وجلس الأب يقلّب الأرقام المنشورة، فإذا هي تشهد: تقرير المرأة السعودية ٢٠٢٤ للهيئة العامة للإحصاء يسجل أن ٣٥,٨٪ من السعوديات لم يسبق لهن الزواج، وكان تقرير الشباب (٢٠٢٠) قد سجَّل ٦٦,٢٣٪ في الفئة ١٥-٣٤ ولم يصدر تحديث لهذا التفصيل. والدراسات الجامعية—من الجوير إلى الدغيري وغيرهما—تتقاسم السبب بين المال والصورة، وهما عندي واحد: القاموس غيَّر الصورة، والتمويل الميسَّر حوَّلها إلى التزام شهري. وفي دراسة محكمة في PLOS ONE على جيل Z: من أكثر المنصات من مشاهدة أخبار تكاليف الزواج، بالغ في تقديرها وتراجعت عنده توقعات الزواج.

وعاد الأب إلى ابنته فقال: رزقك مكتوب يا بنتي ما لم تستبقيه بالحرام، وأنا لا أرضى أن يدخل بيتي، بينك وبين أمك وأخواتك، من بلغ به قلّة الخوف من الله أن يفتخر بالمزاحمة في مجالس السخط. ثم رفع أمره إلى ربه: حسبي الله ونعم الوكيل. وتذكّر قول الشيطان في الكتاب: {وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} (الأعراف: ١٧)، فقال: من يصرف نعمة الله فيما يُغضبه فلن يشكره، ومن لا يشكر الله لن يخافه فيك يا بنتي، ولا في أمك التي سيصير لها محرماً.

تلك هي المفارقة: قاموسان تحت سقف واحد، وشدٌ عنيف بينهما—لا في أرض محايدة، بل في أرض الحرمين، في دولة دستورها كتاب الله وسنة رسوله ﷺ. فإذا كان الأصل محسوماً في الدستور، فمن أين دخل القاموس الآخر على الدار؟
وسؤالان أطرحهما ولا جواب عندي: من الرقيب؟ ومن يصحّح الصورة؟


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى