بحرٌ له بابان

سعيد محمد عبيد بن زقر (كاتب في الشأن الاقتصادي).

لا أحد ينتبه للبوليصة وهي تمضي. ننتبه لها حين تتأخر في مكتب ما، في مدينة صناعية ما، يقلب مدير مشتريات ورقة شحن قرأ مثلها ألف مرة، لكن عينه هذه المرة لا تقف عند السعر، بل عند سطر المسار: السفينة التي كانت تقطع الطريق في أسبوعين صارت تدور حول قارة كاملة، والتأمين الذي كان هامشياً صار بنداً، والموعد الذي كان وعداً صار رجاءً. فالحرب التي يقرأ الناس أخبارها في صفحات السياسة، يقرؤها التجار في بوالص الشحن، وتقرؤها الأسواق في تكلفة المخاطر. والعالم كله يكتب عن النفط الخارج من المنطقة. أما نحن فنمضي في الاتجاه المعاكس الذي لا يكتب فيه أحد: ماذا يدخل؟ كيف يصل الغذاء إلى الرف، ومدخلات الصناعة إلى خط الإنتاج، والدواء إلى الصيدلية؟ فاقتصاد الدول لا يُقاس بما تصدّر فقط، بل أيضاً بقدرته على ضمان ما يحتاج إليه حين تضطرب الطرق.

افتح الخريطة. تدخل البضاعة إلينا من مضيق في الشرق، ومن بحر في الغرب له بابان: باب جنوبي، وباب شمالي عند السويس. وبحرٌ له بابان لا يُغلق كما يُغلق بحرٌ له باب واحد. والمملكة وحدها تطل على البحرين معاً: ساحل خلف المضيق، وساحل بين البابين. هذه ليست ميزة تفاوضية؛ هذه بوليصة تأمين كتبها الله في الخريطة، ورأس مال جغرافي لا تظهر قيمته كاملة إلا حين ترتفع كلفة المخاطر.

ومن يدفع ثمن الطريق الطويل؟ ثلاثة: مصنّع يبطئ خطّه، ومستهلك يجد الفارق في الرف، ومقترض يجد المضيق في قسط تمويله؛ فحين تتسرب تكاليف الشحن إلى الأسعار، يجد التضخم طريقه إلى طاولات البنوك المركزية، وتجد الفائدة طريقها إلى قسط تمويله. الحرب لا تصل إلى بيتك صاروخاً؛ تصل فاتورة. وفي الاقتصاد الحديث، قد تكون المسافة نفسها سعراً، وقد يصبح أمن الطريق جزءاً من تكلفة السلعة.

وللتاريخ في هذا الباب حكاية تتكرر: ما من أزمة ممرات إلا وخرجت منها موانئ تدرّ اليوم دخلاً كبيراً وأمناً. فحين اضطربت مياه الخليج في الثمانينات، كانت المملكة قد مدّت أنابيبها من الشرق إلى ينبع قبل ذلك بسنوات، فجاءت الأزمة تثبت حكمة الخط وتوسّعه، وقامت على البحر الأحمر مدينة صناعية ما زالت تنتج وتصدّر إلى اليوم. وفي الفترة نفسها نما جبل علي حتى صار أكبر ميناء من صنع الإنسان في العالم، وقامت الفجيرة خارج المضيق فصارت من أكبر محطات تزويد السفن بالوقود على وجه الأرض. وبالأمس القريب، حين دارت السفن حول أفريقيا، اشتد الزحام على ميناء طنجة الواقف على طريق الدوران. القاعدة واحدة: الأزمة تمضي، والميناء يبقى رزقاً؛ لأن الاستثمار الذي يُبنى على تقليل المخاطر لا ينتهي بانتهاء الأزمة.

واليوم يجيء دورنا، فنحن لسنا دولةً لها ساحلان فحسب؛ نحن اقتصاد له طريقان. وعلى الساحل ذي البابين يقف ميناء الملك عبدالله، من أعمق موانئ المنطقة وأحدثها، مؤهلاً لأن يتسع نصيبه من الرسو المباشر للخطوط الملاحية الكبرى. والفكرة أكبر من ميناء واحد: أن ننوّع مداخل السلعة كما نوّعنا مصادرها؛ منفذ على كل بحر، وخزّان استراتيجي لمدخلات الصناعة والغذاء كما بنينا خزان النفط، و«صُنع في السعودية» أقصر طرق الإمداد وأثبتها، فما صُنع هنا لا يعبر مضيقاً ولا ينتظر باباً.

الجغرافيا أعطتنا بحراً له بابان. والتاريخ علّمنا أن الموانئ أبناء الأزمات وأرزاق ما بعدها. والاقتصاد يعلّمنا أن الميزة لا تكون في امتلاك المورد وحده، بل في امتلاك الطريق البديل إليه. وما بقي علينا إلا أن نفتح الباب.


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى