ثلاثٌ في ثلاثة – بيتٌ لا يدخله جديد

سعيد محمد بن زقر

في كتاب الله عبارة وردت بنصها ثلاث مرات: (ومن الناس من يجادل في الله). مرتين في سورة الحج، ومرة في لقمان. وقف المفسرون عندها طويلاً؛ قالوا نزلت في النضر بن الحارث، وفرق ابن كثير بين الآيتين تفريقاً لطيفاً: الأولى في المجادل التابع الذي (يتبع كل شيطان مريد)، والثانية في المجادل المتبوع، الداعية (ثاني عطفه)؛ لاوي عنقه كبراً؛ يجادل ليُضل غيره. فإن قيل: نَقْل أن الآيتين نزلتا معاً في النضر وأن التكرير للمبالغة، فالجواب أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وأن زيادة (ثاني عطفه ليضل) زيادة معنى، والقرآن لا يكرر عبثاً.

هذا ظاهر مطمئن. لكن تأمل العد؛ قراءة أرجو أن تكون صواباً، والله أعلم.

ثلاثة مصادر للمعرفة نُفيت: علم، وهدى، وكتاب منير. فمن أين يجادل من فقدها جميعاً؟ الجواب موزع على المواضع الثلاثة نفسها: في الحج الأولى مصدره شيطانه: (ويتبع كل شيطان مريد). وفي الحج الثانية مصدره كِبره: (ثاني عطفه)، حجته عنقه الملوى قبل أن يفتح فمه. وفي لقمان مصدره آباؤه، لأن الآية التي تليها مباشرة تفضحه: (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا).

ثلاثٌ في ثلاثة: تابعٌ يُملى عليه، ومتبوعٌ يُضل، ومقلدٌ يجترّ الموروث. ليس في البناء منزلة فارغة.

ولماذا ليس فيه منزلة فارغة؟ لأن القاموس بيت، والبيت لا يدخله ساكن جديد إلا إذا وجد موضعاً خالياً. وليست صورة البيت بدعاً؛ فمن مشكاة النبوة خرجت: صراط على جنبتيه سوران، وأبواب عليها ستور مرخاة، وداع يقف ينادي، وشيطان قاعد لابن آدم بأطرقه. ثم مدّ الغزالي الخيط فجعل القلب حصناً يُدخل من ثغوره، وقال ابن القيم: إذا امتلأ القلب لم يبق فيه لِحقّ موضع. وإنما الزيادة هنا أن البيت ليس غرفة واحدة، غير أن الثلاثة لا تذهب مذهباً واحداً: الكتاب المنير غرفة، أخلاها صاحبها فنزلها الشيطان المريد يُملي من حيث كان الوحي يُتلى. والهدى ليس غرفة؛ الهدى مصباح البيت، نور يُقذف في القلب. والكبر لا يسكن، الكبر يُطغئ؛ فيمشي صاحب البيت بين جدرانه على الذكرى لا على الرؤية، ويجادلك واثقاً وهو يتحسس الحيطان في الظلام. وأما الآباء، فلا يسكنون غرفة ولا يطفئون مصباحاً؛ الآباء هم الجدران نفسها. ولهذا كان المقلد أعسر الثلاثة: الساكن يُقنع بالرحيل، والمصباح يُعاد إشعاله، ولكن كيف يرحل الجدار؟ وهنا جواب سؤال يحير كل من جادل: لماذا لا تنفع الحجة؟ وقد لا تفشل الحجة لضعفها وحده؛ بل لأن البيت ممتلئ: غرفة مسكونة، ومصباح مطفأ، وجدران تحسب نفسها البيت. والمجادل لا يدافع عن فكرة؛ إنه يدافع عن بيته، ولهذا يجادل بتلك الشراسة. والوحي نفسه لا يزاحم على الباب؛ وكأنّ (لا إكراه في الدين) تومئ إلى هذا: يقف وينادي حتى يُخلي الساكن مكانه طوعاً، ويُؤذن للمصباح أن يُضاء، فالدعوة في جوهرها ليست ملء فراغ، بل إقناع بيت كامل أن يتخفف.

افتح اليوم أي منصة تجد الثلاثة أحياء، يتجادلون: صنف يردد ما تُمليه عليه خوارزميته؛ شيطانه الرقمي المريد، وصنف متصدر ثاني عطفه، حجته عدد متابعيه لا دليله، وصنف سلاحه (هذا ما نشأنا عليه)، بحرفه.

وأنا أكتب هذا، وقفتُ أمام بيتي قبل أن أطرق بيوت الناس، وتثبّتُّ على العتبة أطول مما أحب أن أعترف: أي غرفة مسكونة؟ ومتى آخر مرة تفقدت المصباح؟ وكم جداراً في أحسبه أنا وهو ميراث؟

فتّش في بيتك، ثم اذكر أن آيات نزلت في رجال مضوا صارت خريطة لملايين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى