هل يُعقَل؟!

سعيد محمد بن زقر (كاتب في الشأن الاقتصادي).

شبابٌ في مجلس يتابعون المباراة. بين شوط وشوط رفع أحدهم جواله، فإذا مقطعٌ وصل المجموعة: رجلٌ يقدّم نفسه خريّج جهة معروفة بالدراسات الإسلامية، يقول: العلماء أنفسهم مختلفون في البسملة؛ منهم من يجهر بها ومنهم من أسقطها، فكيف تثقون بسنّة هذا حال أهلها؟ هل يُعقل أن أعجميًا اسمه البخاري جمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم؟

طيب، «هل يُعقل؟» هذه، من أول من قالها؟
أول من قالها إبليس. أُمر بالسجود لآدم، فما أنكر ربَّه، بل قال، في سورة الأعراف آية 12: {أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}. خطيئته ليست التفكير؛ خطيئته أنه حكم قياسه الناقص على أمر ربه. ولخّصها ابن تيمية في أصل واحد: العقل الصريح لا يعارض النقل الصحيح؛ فإن بدا تعارض، فنقلٌ لم يثبت أو نظرٌ ظنّ أنه علم.

أما في المجلس، فما كمل المقطع، قال أحدهم: لحظة، وش دخل أصل وفصل الرجال؟ أعجمي؟ طيب سيبويه فارسي، نرمي النحو؟ العلم يُمتَحن بمنهجه مو بعرقه. والبسملة وصلتنا مع السنة التي عرّفتنا أن المغرب ثلاث ركعات؛ القرآن ما فيه عدد الركعات. يصلي المغرب ثلاثًا بنقل العلماء، ويقول نقلهم ما يُوثق فيه؟ يا شيخ، روح العب بعيد.

فدخل عليه صاحبه بحماس، وكان أقرأهم: وحتى كلمة «أسقطها»، من قال أسقطها؟ البسملة مكتوبة في المصحف بإجماع الأمة، في أول كل سورة إلا براءة (التوبة)؛ ما سقط منها حرف. الخلاف كله: هل هي آية من الفاتحة تُقرأ معها، أو آية وحدها تفصل بين السور؟ واللي يجهر بها حجته حديث، واللي يسرّها حجته حديث، واللي قال ما هي من الفاتحة حجته حديث أنس رضي الله عنه. الكل ماسك بالرواية؛ فخلافهم شاهد أن السنة هي الحكم عند الجميع، شلون تصير حجة على إسقاطها؟ والقراءة على لسان العرب نطقٌ بتحريك اللسان؛ شوفوا إمام الحرم؛ حتى في الظهر والعصر تسمع له همهمة، وفي التلفزيون تشوف شفتيه تتحرك. وما شُرع السكوت في الصلاة إلا للمأموم حال الجهر، بأمر ربي في سورة الأعراف آية 204: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا}. حتى السكوت له آية. فإذا كان السر نطقًا، شلون صار إسقاطًا؟ وافتحوا البخاري تلقونه مليان آيات، يشرح أبواب الدين بالقرآن وأحاديث منتقاة. وهل يُعقل أحد يشرح الدين بدون القرآن؟ صاحب المقطع يدري، بس يعتمد على اللخبطة؛ هذا الدين ما ترك صغيرة ولا كبيرة، وإذا التبس عليك أمر، ردّه لعالم.

فردّ الأول: صدقت، والقرآن حسمها في سورة النحل آية 43: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}. وعندنا المادة الأولى من النظام الأساسي تنص أن دستور البلاد كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وهذا يأخذ خلاف علماء، كلهم ماسك بخيط الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم، ليقنعك تقطع الخيط؛ عقله هواه، ودينه هواه. وقيل قديمًا: كلمة حقّ أُريد بها باطل؛ و«العلماء اختلفوا» كلمة حق، أما أنها تُسقط السنة فباطل. والشبهة القصيرة قوتها أن تفكيكها أطول منها.

وقال ثالثهم: أصلاً إذا عنده سالفة، يروح يعرضها أمام علماء العالم الإسلامي في مجمع الملك سلمان بن عبدالعزيز للحديث النبوي الشريف في المدينة المنورة، مو يبلبل في القروبات.

وهنا تكلم أكبرهم عمرًا وأكثرهم تجربة، وكان صامتًا طول الوقت: يا أولادي، خادم الحرمين الشريفين، طوّل الله عمره، ما جلس مجلسًا إلا قالها: أحمد الله على نعمة الأمن والأمان. وهذي المقاطع تبغى تشتت شملنا؛ يفرّقونك عن علمائك أول، وبعدها عن جماعتك. مثل ما فعل الخوارج، يبغونك تخرج.

قال الشباب بصوت واحد: اللهم أدم علينا الأمن والإيمان، واحفظ علينا ديننا وولاة أمرنا وعلماءنا، ولا تفرّق شملنا. وعادت المباراة، والعقل نعمة نفهم بها الدين، لا مقصلة نقطع بها خيطه. ومن قطع الخيط لا يبقى معه كتابٌ وحده؛ يبقى معه كتابٌ وحيدٌ.


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى