بين المآل والشقاء
سعيد محمد بن زقر (كاتب في الشأن الاقتصادي).
كان يغدو إلى ورده كما تغدو الطير؛ غدوةً تتكرر كل يوم، لا يدري صاحبها بأي رزق يروح. وفي أكثر الأيام كان يروح كما غدا. أما اليوم فقد وقف عند قول عيسى ابن مريم في مهده، كما قصّه الله في سورة مريم (30-33): {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا}. لم يقف لأنها أول مرة تمر عليه؛ وقف لأنها لم تمر. كم مرّت على عينيه، أما اليوم فقد دخلت؛ وراح بها بطيئًا.
ورجعت أصابعه صفحات إلى الوراء، إلى قول الله في يحيى عليه السلام: {وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا} (مريم: 14). فللآية التي أوقفته أختٌ في السورة: نفيان ينفيان عن كل منهما الجبروت، ويُقرن النفي في الموضعين بالبر بالوالدة في الأول، وبالوالدين في الثاني. كأن السورة تقول: من صحّ برُّه بأصله انتفى عنه الجبروت، ومن تجبّر فالخلل هناك، عند العتبة الأولى.
ثم تأمل الكلمتين: والجبار من الخلق هو المتعظم الذي يقهر الناس ولا يرى لأحد عليه حقًّا؛ والشقي هو المحروم من الخير في عاقبته. فالجبروت سلوكٌ صاحبه يُرى بالعين، والشقاءُ مآلُه المحجوب. ومع ذلك لم يجعلهما القرآن وصفين بينهما سببٌ ونتيجة؛ بل هما مفعولان لجعل واحد، منفيان بنفي واحد: وصفٌ واحد ذو وجهين. فالجبروت ليس طريقًا إلى الشقاء؛ الجبروت هو الشقاء في طوره الأول، كما أن البذرة هي الشجرة قبل أن تُرى.
وفي الآية أدب؛ لم يقل عيسى: “ولست جبارًا”، بل {وَلَمْ يَجْعَلْنِي}. فأسند نفي الكبر إلى جعل الله، فنفاه مرتين: بالتصريح، وبتواضع جرى في عروق الجملة. واللين جعلٌ يُستوهب، لكنه جعلٌ من جنس العمل؛ من لان لأمه ألان الله قلبه، ومن تجبّر وكل إلى جبروته فازداد قسوة. فالعبد يدور بين {إِيَّاك nَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (الفاتحة: 5)؛ يبذل البر عبادة، ويسأل اللين استعانة.
هنا سأل نفسه: والداي لقيا منيتّهما، رحمهما الله، فهل أُغلق الباب؟ ثم ذكر أن العمدة باقية. في صحيح مسلم: (إنّ من أبرّ البرّ صلة الرجل أهل وُدّ أبيه بعد أن يُولّي)، وفي كتاب الله دعاءٌ لا ينقطع بموت: {رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} (الإسراء: 24). وجاء عند أبي داود؛ وفي إسناده مقال وإن حسّنه بعضهم: خمسة أبواب؛ الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما، وصلة رحمهما، وإكرام صديقهما. فالودّ إذا مات صاحبه لم يمت، وإنما ينتظر من يصله. ولم يكتفِ الرجل بما فهم؛ أغلق المصحف واتصل بصديق أبيه يعده بزيارة، وكتب لإخوته يجمعهم في بيت أمهم رحمها الله؛ فالكبير لا يُقْلع بالفهم، بل بخدمة تأنف منها النفس.
ثم رجع إلى البذرة التي لاحت له أول الأمر، فإذا الله قد وصفها في كتابه: {كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ} (البقرة: 261). فالبر حبة تُدفن حيث لا يراها أحد، وعلى الإنسان السعي عليها؛ يسقيها صلةً ودعاءً وإصلاحًا حتى تنبت شجرة {تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا} (إبراهيم: 25). تدرّ الحسنات لغارسها ولمن غُرست له. وهذا السعي نفسه صقلٌ للمرآة؛ ففي صحيح مسلم: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر)؛ والذرة على القلب كالكدر على المرآة؛ لا تحجب الشمس، وإنما تحجب المرآة عنها. فالله لم يكن غائبًا قط؛ {كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (المطففين: 14). وما بين العبد وشهود ربه بقلبه سوى الكدر وكبرياء المقلة. فمن جلا مرآته بالبر أبصر الحاضر الذي لم يغب، وعلم أن المآل ليس دارًا يُرحل إليها، بل مرآةٌ تُجلّى: فإما وجهٌ يشرق فيها، وإما كدرٌ كان جبروتُه أول طبقاته.
