من كتب قاموس حزن ابنك؟
سعيد محمد بن زقر (كاتب في الشأن الاقتصادي).
في صالة رياضية بجدة، رفع فهدٌ كُمَّه لِيُري صاحبه سلطانًا وشمًا جديدًا على ساعده: اسم أبيه، بخطّ عربي مائل، وتحته تاريخ وفاته. قال سلطان بهدوء، وهو ينفض الحديد عن كفيه: الله يرحمه يا فهد، لكنك تعرف أن فيه لعنًا صريحًا في الحديث. فأجاب فهد دون أن يرفع عينيه عن ساعده: أبوي ما يُلعن من أجله أحد. هذا فهمكم أنتم.
ولستُ أدري أيُّ الأمرين أولى بالتأمل: وشمُ حَفرَ في جلد، أم جوابٌ كهذا يُحفر في عقل؟ فالفتى لم يجادل في صحة الحديث ولم يسأل عن علته، بل أسقط بجملة واحدة مرجعية القاموس نفسه. فمن علّمه أن الحزن لا يكتمل إلا محفورًا في جلد؟ أنبت ذلك في قلبه نباتًا، أم رآه في مقطع لملاكم أمريكي يبكي أباه، ثم في ثلاثين مقطعًا أعدّتها له يدٌ لا يعرفها ولا تعرفه، لكنها تعرف حزنه، وتعرف كيف تبيعه إياه؟
والدراسات النفسية تفرّق بين وشم الموضة الذي يقلّد ووشم المعنى الذي يخلّد أو يداوي. والخوارزمية لم تخترع الدافعين، لكنها أخذت أعمقهما: الفقد والجرح؛ فصاغته قالبًا يُباع بالمشاهدة، حتى صارت تبيع التخليد لمن لا فقيد له. ففهدٌ صادقٌ في حزنه، لا شك. لكن من كتب قاموس حزنه؟
الخوارزمية لا تحاضر ولا تحرّم ولا تحلّل. لكنها تسمّي: تسمّي هذا جميلاً بأن تكرره أربعين ألف مرة، وذاك قبيحًا بأن تحجبه، وتسمّي الوفاء وشمًا والنجاح لقطةً قصيرة. فمن يغلب: من يملك حق التسمية أربعين ألف مرة في أذن فتى، أم من يملك النص مرة واحدة في خطبة جمعة؟ على أن العدل يقتضي وقفة: أفرّط الآباء حقًا؟ وماذا يصنع أبٌ يجلس مع ابنه ساعة بعد العشاء، وهو يزاحم يدًا تجلس معه سبع ساعات؟ وبأي لسان يحدّثه، وابنه يفكر بمصطلحات لا يعرف الأب كيف تُنطق؟ ثم أين الخندق الثاني: المدرسة؟ أليست فسحتها تجري بلغة الخوارزمية؟ فمن بقي للفتى؟
والأمم التي تعرف صنعة الخوارزميات لم تتركها طليقة على أبنائها. فالصين التي أنجبت تيك توك تفرض في نسختها المحلية على الصغار أربعين دقيقة يوميًا وخوارزميةً لا تعرض إلا العلم والتاريخ؛ فما معنى أن صانع السلعة لا يُدخلها بيته إلا مروّضة ويصدّرها إلينا طليقة؟ وأستراليا حظرت المنصات على من دون السادسة عشرة وتلاحق كبرياتها بغرامات بعشرات الملايين، وسارت على أثرها بريطانيا والإمارات. فماذا عندنا، ونحن من أعلى شعوب الأرض إقبالاً على هذه المنصات؟ أليس لنا بهذا الإقبال مقعدٌ تفاوضي نشترط به وضعًا خاصًا بقاصرين خوارزميةً تخضع لتدقيقنا؟ وما الذي يمنعنا أن نملأ نحن الغرف التي كُشفت جدرانها؟
في تلك الليلة، ليلة الجمعة، استلقى فهدٌ في غرفته المظلمة. رنّ الهاتف: أمه تذكّره بزيارة قبر أبيه غدًا بعد الصلاة، والدعاء له كما كان أبوه يوصيه، وصدقته عنه. كتب لها: أبشري. وحين رفع الجهاز شعّ نوره الأزرق على ساعده، فبان الاسم والتاريخ في العتمة، فتأمله طويلاً، ثم مسح عليه بإبهامه كما يُمسح على رأس نائم، وأطفأ الجهاز. وأين أنت يا لغتي العربية، يا من نشأ جيلٌ لا يعرف منك سوى ظلك؟ كيف يجد طريقه إلى (إنا أنزلناه قرآنًا عربيًا لعلكم تعقلون) من لا يعقل عربيته؟
أما الوشم فحكمه محسوم منذ أربعة عشر قرنًا، وليس هو القضية. القضية سؤال يطرق بابك أنت: ابنك حين يقول (هذا فهمكم أنتم)؛ أقالها لأنه قرأ ورجّح؟ أم لأن قاموسه كُتب بيد غير يدك، في مكان لا تعرفه؟ ومن لا يملك حق تسمية الجميل والقبيح لأبنائه؛ أيظن أن الحق بقي شاغرًا؟ أم أن غيره يستعمله الآن، في هذه اللحظة، في الغرفة المجاورة؟
