عتبة الباب

سعيد محمد بن زقر (كاتب في الشأن الاقتصادي).

يتبع الإنسانَ ثلاثةٌ: أهلُه، ومالُه، وعملُه، فإذا بلغ القبرَ رجع اثنان وبقي واحد؛ رجع الأهلُ والمال، وبقي العملُ. ولكلّ واحدٍ منّا، قبل قبره، عتبةٌ صغرى من جنس هذه الكبرى؛ بابٌ وقف عنده طويلاً ولم يُدر أيدفعه فيدخل، أم يرجع من حيث أتى. شيءٌ بناه بيده؛ تجارةٌ، أو بيتٌ، أو حلمٌ طالت رعايته؛ ثم أحسّ الأرض تهوي تحته. وأقسى ما في الوقفة أن الإمساك والإفلات يلبسان وجهًا واحدًا، وأن الشجاعة والعناد يتكلّمان بصوت واحد. ونحن نُسمّي انتشارنا في الأرض (سعيًا).

والسعيُ في كتاب الله ليس حركة السوق، بل اسم الباقي وحده، العمل الذي يعبر معك القبر. أما الأهل والمال فما سمّاهما الله سعيًا قطّ، بل مشيًا في المناكب، وانتشارًا في الأرض، وابتغاءً من فضله؛ يصاحباننا إلى العتبة ثم يقفان. فمن خاف على ما يرجع حَسِبَ نفسه ساعيًا وهو واقف، ومن خاف على ما يبقى عرف أين يخطو.

فكيف أُفرّق سعيي من إصراري وأنا على العتبة؟ لها علامتان. الأولى أن أسأل: أأحبّ الغاية أم أحبّ الطريق؟ فالساعي يريد أن يصل؛ فإن فُتح له بابٌ سوى بابه، من حيث لا يحتسب، دخله شاكرًا. أما المُصرّ فلا يريد إلا بابه، يردّ النجاة إن أتته من جهة لم يخترها. والثانية أن أنظر ماذا يصنع الطريقُ بخُلُقي؛ فإن جرّني إلى أن أعدّ فأخلف، وأحدثَ فأُزوّق، وأقصّر في حق من أعول وأسمّي ذلك صبرًا؛ فقد انقلب سعيي إصرارًا وإن لم يتغيّر اسمهُ.

ثم يأتي ما هو أعمق. فحين أحاسب نفسي يراودني «الإحياء»، ويحضرني أبو حامد الغزاليّ رحمه الله، فيقول: إنّ علامتيك تفترضان نفسًا تصدُق حين تُسأل، والنفسُ هي الخصمُ والحَكَمُ معًا، وهي أخدع ما تكون حين تُحاسَب؛ تُريك إصرارَها في صورة عزم، وهواها في ثوب رشد. ولا مخرج إلا أن أُخرج الحَكَمَ من يد الخصم، وهنا يدلّني ابن القيم رحمه الله: أن مدار السعي على (إياك نعبد وإياك نستعين). فالعبدُ يسعى بربّه لا بحوله، ولربّه لا لحظّ نفسه. فلا أسأل «أأحبّ الغاية أم الطريق؟» فحسب، بل: لمن أسعى؟ فإن كان لله رضيتُ بأيّ باب فتحه ولو لم يكن بابي؛ وإن كان لحظّ نفسي أبيتُ إلا بابي، فيصير طريقي صنمي وإن سمّيتُه سعيًا.

وكتبتُ هذا كلّه، ثم وجدتُني –كعادتي في كلّ ما أكتب– قد بدأتُ من باب وانتهيتُ إلى قاموسي: من يملك حقّ التسمية؟ فما كانت حيرتي إلا لأني سمّيتُ «بابي»، ونسبتُ إلى نفسي ما لم أملكه؛ ولساني يقول في كل صلاة (وإياك نستعين)، ولسان قلبي يستعين بسواه. فهل أصبر بهذه الكتابة؟ لا، فالكتابةُ تشخيصٌ لا دواء. لكنّي أصبر بما بعدها: أصبر صبرًا يطول والناس نيام، لا على بابي بل عنه. وأدعو أن يُرفع البلاء، لكني أصدقُ الدعاءَ في قلبي أولاً: ألا يكون السببُ الذي أبكي عليه قد صار «صنمي» أقمتهُ مقام ربي؛ فإن رُفع البلاء وقلبي يعبده، لم يُرفع شيء، وإنما الفرجُ أن يسقط الصنم. وأشقّ صبري أن أجبر عيني، وهي تَلجّ عند الباب تلتمس المال، أن تُشيح إلى الأثر الباقي ممّا يصدر عن جوارحي؛ فما يبقى بعد القبر عملٌ، لا أهلٌ ولا مال. فإن صبرتُ، لم أعد واقفًا أصف العتبة، بل أعبرها خطوةً خطوة؛ أميتُ تعلق القلب لا القلب، حتى أصدق حين أقول: وإياك نستعين.


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى