في الأعمال العائلية: المجلس والمجتمع والمعرفة
سعيد محمد بن زقر (كاتب في الشأن الاقتصادي).
عمّي وهيب؛ رحمه الله؛ إذا احتدم مجلسٌ أو ثقُلت قسمةٌ، رفع يده وقال كلمةً واحدة: «النفوس»، يقولها ويصمت، كأنها جوابٌ اكتفى بنفسه. ومن كثرة ما ردّدها انتحتت في نحتنا: في الأعمال العائلية، النفوسُ الصافيةُ أمورٌ طيبةٌ. ولم يكن غريبًا عن التجارة ليقولها عن جهل، بل كان من جهابذتها: خير المال والرجال، ثم ردّ خلاصة عمرٍ إلى هذه الكلمة.
وحين تقرأ ما كُتب في صحافتنا ومنتدياتنا عن هذا الباب، تجده كأنه لامس بفطرته ما سيصوغه أهل الاختصاص لاحقًا. ففي ملتقيات الحوكمة العائلية التي رعتها وزارة التجارة، وصدر عنها ميثاقها الاسترشادي، قيلت أرقامٌ توقظ: من كل عشر شركات عائلية قد تبقى ثلاثٌ إلى الجيل الثالث، وواحدةٌ بعده. وقيل ما هو أدقّ: ينبغي أن تنمو الشركة أسرع من نمو العائلة نفسها، وإلا التهم العددُ الإرثَ، والشركات العائلية عندنا تسعة أعشار منشآتنا؛ فالمسألة وطنٌ لا بيت.
وما وراء البحار قرّره العلمُ المحكّم منذ عام 1978، يوم رسم تاغيوري وديفيس في هارفارد دوائرهم الثلاث: العائلة، والملكية، والإدارة. أثبتوا أن أكثر النزاعات ليست خصومات أشخاص، بل تداخل قبعات يلبسها الرجل الواحد: فيخاصم أخاه بصفة المالك، ويحاسبه بصفة المدير، ويجرحه بصفة الأخ. وسمّى الباحثون ما يحرّك العائلة «الثروة العاطفية»: رصيدٌ من انتماء وذاكرة ومكانة، إن صفا حفظ الكيان، وإن كدِر أهلكه من حيث يظنّ أهله أنهم يحفظونه.
وهنا يلتقي العلم الحديث بما قرّره أهل العلم قبل قرون. عدّ حجّة الإسلام أبو حامد الغزاليّ؛ رحمه الله؛ أمراض القلب: الحسدَ والحقد والكبر، وهي في القرابة أخفى وأخطر، لأنها تلبس لبوس الحق، وكثيرًا ما قرّر الإمام ابن قيم الجوزية؛ رحمه الله؛ أن أعمال الجوارح تابعةٌ لأعمال القلوب؛ فالقلب إذا استقام استقامت الجوارح والعقود. وفي التنزيل ما يجمع البابين: {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} (الشعراء: 88-89)؛ فذكر المال والبنين، ثم علّق النجاة بسلامة القلب وحده. فالنفس الصافية ليست ساذجةً تُستغَل، بل رواقٌ صفا من رواسبه، سوّى صاحبُه حسابه مع نفسه، فلم يعد يسوّيه على حساب إخوته.
ومن أمراض النفس التي يقعُد بها البيت التجاري داءٌ، قلّ أن يُسمّى، وهو من افتكها بعُرى القرابة: أن تُحسِنَ تسعةً وتسعين، فإذا زللت واحدةً نُسيت التسعةُ والتسعون، وبقيت الزلّةُ وحدها لا تُنسى. وقد سمّى الشرعُ هذا الداء باسمه – جحود الإحسان وكفران المعروف – والكفرُ في أصل اللسان سترٌ وتغطية؛ ومنه سُمّي الزارعُ كافرًا، لأنه يواري البذر في الأرض؛ فجاحد الإحسان يدفن تسعة وتسعين معروفًا تحت زلّةٍ واحدة، ثم يحسَبُ أنه أنصف. وقد نهى التنزيل عن هذا في أحرج المواطن – ساعة الفراق حين تقسو القلوب – فقال: {وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} (البقرة: 237)؛ أمرٌ بحفظ الفضل السالف حتى في لحظة القطيعة، إذ نسيانه أوّل معاول الهدم. وما خرّب شراكةً بين إخوةٍ مثلُ ميزانٍ يزِنُ الخطأ بالقنطار والإحسان بالمثقال.
ومن هنا ما يرجوه المرء للبيوت التجارية التي تعاقبت أجيالها: أن يخرج أبناؤنا أوّلاً إلى العمل خارج الشركة، يكتسبون خبرةً ويُثبِتون كفاءةً بعيدًا عن ظلّ الاسم، ثم يعودون إليها لا لأنهم أبناء فلان، بل لأنهم أهلٌ لما يتولّون؛ فلا يُمنَع المؤهّل من التنفيذ لأنه من العائلة، ولا يكون كونه من العائلة وحده سببًا كافيًا للتنفيذ. أما قمّة الهرم فالحكمة أن تُسلَّم إلى مختصين من خارج الأسرة، تُقاس أعمالهم بالمساءلة لا بالمجاملة. وليس في هذا إقصاءٌ للعائلة، بل ارتقاءٌ بها إلى ما هو أبقى؛ فالخدمة الاجتماعية ونقلُ المعرفة إلى من بعدنا كانا من إرث المؤسسين قبل أن يكونا نصيحةً تُكتب. فليست العزّة في مباشرة كل صغيرة، بل في يدٍ تُسلّم الأمانة سليمةً كما تسلّمتها. صفّوا النفوس يصلح ما وراءها؛ وإن كدرت، فلن تنفعكم لائحةٌ ولو كُتبت بماء الذهب.
