أهل الخطوة

سعيد محمد بن زقر (كاتب في الشأن الاقتصادي).

في حكايات الطفولة كان يُقال إنّ من الناس من يُصلّي الفروض كلّها في الحرم وهو في أقصى الأرض؛ ويسمّونه (أبا خطوة). لم نكن نعرف حينها أنّ خلف الاسم بركة؛ وأنّ من العباد من رزقهم الله خُطى تحمل الخير حيثما حلّوا، فما دخلوا بيتًا إلا وتغيّرت أحواله إلى أحسن ممّا كانت.

أذكر عمّتي صفيّة؛ رحمها الله؛ حين جاء ذِكرُ سُنّة أبيها وعمّها، عبد الله وسعيد (محمد بن زقر) رحمهما الله، في جمع العائلة في منزلهم العامر على طريق المدينة بجدّة، جيران قصر الملك خالد طيّب الله ثراه، أو عمارة (وصال) ومعرض للكزس. رفعت عمتي كتفيها كمن يهمّ بأمر له شأن، وأشارت بإصبعها أن المجالس تجلب الرزق، وأنّ في اجتماع الأهل بركةً لا تُرى.

وفي السياق فإنّ ما بين العبد وربّه سرًّا لا يعرفه أحد. إذ يُحكى أنّ مملوكًا لا يرغب فيه أحد، وصعد في زمن قحط شديد هضبةً ودعا ربّه لإغاثة عباده، فنزل المطر مدرارًا؛ فلمّا سُئل لم يُفشِ ما بينه وبين مولاه، وقال: (السرُّ السرُّ)، ثم سجد فمات. وسواءٌ صحّت الحكاية أو جرت على الألسن، فمعناها ثابت في قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: (رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ تَدْفَعُهُ الأَبْوَابُ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ). (رواه مسلم). هذا يا صاحبي أحدُ «أهل الخطوة»: رجلٌ لا تلتفت إليه العيون، وهو عند الله أقرب ممّن تُشار إليهم الأصابع.

ولن يبوح صاحب السرّ بما بينه وبين ربّه أبدًا. لا لأنّه لا يريد الإجابة، بل لأنّ قلبه انشغل بالمُعطي عن العطاء؛ حتى صار وقوفه على الباب أحبّ إليه من أن تُقضى حاجته فينصرف. لكنّه يكتم السرّ عن الناس ولا يكتم الحاجة عن الله؛ فالدعاء نفسه عبادة، والعبد لا يسأل ليُخبر ربّه بما يريد، بل ليقف فقيرًا بين يديه. قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}. (البقرة: 186).

وقد تسأل: كيف يكون صاحب الخطوة خفيًا، وأنا أدعوك إلى فتح البيوت وجمع الناس؟ والجواب أنّ الخطوة تُخفى وأثرها يظهر. اكتم سرّك، وأظهر برّك: أطعم الطعام، وأفش السلام، واجمع الأهل. تلك سُنّةٌ معلنة، وذاك سرٌّ مصون.

ثم عودًا على بدء؛ اجتمعوا كما أوصت عمتي صفيّة. افتح بيتك لمن تقدر عليه من الأهل والأصدقاء والجيران، ووسّع ما استطعت. فإطعام الطعام خيرٌ في نفسه، لكنك لا تدري: لعلّ بين ضيوفك من بينه وبين ربّه سرّ، تحمل خطاه الخير إلى بيتك، فيدعو دعوةً لا يعلمها إلا هو وربّه، فتتغيّر أحوال الدار ومن فيها إلى أحسن حال، رزقًا من حيث لا تحتسب. لا لأنك عرفتَ سرّه، بل لأنك سترتَ سرّك وأكرمتَ ضيفك. وعرفتَ حينها أنّ أوّل الخطو أن تعرف أين تخطو، وأنّ آخر ما يُسلَّم أن تخطو حيث لا يراك أحد إلا من كتب لك الخطوة.


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى