حين كان المنع بابًا إلى الله
التاريخ: 2026/6/22
في حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه، المتفق عليه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب»، ومن هذه المضغة يبدأ الطريق إلى أبي حامد الغزالي.
هو محمد بن محمد الغزالي الطوسي، وُلد في طوس من بلاد خراسان سنة 450هـ، قرب مشهد في شمال شرق إيران اليوم، وتوفي فيها سنة 505هـ. عاش نحو خمس وخمسين سنة هجرية، أي ما يقارب ثلاثًا وخمسين سنة ميلادية، لكنها كانت حياة تركت أثرًا يفوق أعمارًا طويلة.
لم يكن الغزالي فقيهًا يكتفي بظاهر الأحكام، ولا واعظًا يصف العمل من خارجه، كان عقلًا كبيرًا مرّ بالفقه، والكلام، والفلسفة، والتصوف، ثم عاد إلى سؤال أعمق: ما حال القلب الذي يخرج منه العمل؟
أشهر كتبه، وأعظمها أثرًا، هو «إحياء علوم الدين». بناه على أربعة أرباع: العبادات، والعادات، والمهلكات، والمنجيات؛ وكل ربع عشرة كتب، تتفرع داخلها الأبواب والفصول. لم يكن «الإحياء» كتاب معلومات فقط، بل محاولة لردّ العلم إلى أثره في القلب.
وتشكّل «الإحياء» في أفق أزمة روحية عميقة، حين ترك الغزالي منصبة أستاذًا في نظامية بغداد، حيث اجتمعت له المكانة والسعة والنفوذ. ثم فرّق ما كان معه من مال، ولم يدّخر إلا قدر الكفاف وقوت الأطفال، وخرج إلى الشام والحجاز، معتزلاً ومراجعًا نفسه، وهناك بدأ يتشكّل أثر الإحياء؛ أثر رجل خاف أن يحجبه علمه وما حوله عن الله.
وفي «شرح عجائب القلب»، شبّه القلب بالمرآة؛ لا تفقد الحقيقة لأنها غير موجودة، بل لأنها محجوبة بالكدر: رياء، وكبر، وحب جاه، وتعلق بالناس. فإذا صُقلت، لم تخلق نورًا جديدًا، بل عكست ما كان حاضرًا دائمًا: أن الله لم يكن غائبًا، وإنما كانت الحجب فينا.
وهنا ألتقي مع الغزالي، لا بوصف سيرته تُستعاد، بل مرآة تراجع بها النفس. فقد كانت رحلة القاموس عندي تهيئة للحظة سقوطه: لا سقوط العلم، ولا سقوط السبب، بل انكشاف التعلق بهما. فالأسباب تبقى أسبابًا، لكن القلب لا يعود يراها مصادر أمانه. وفي هذه اللحظة، وأنا أكتب هذه الكلمات، كأني أرى ما كان مستورًا عني: أن ما لم يعجبني من قدري، من فقد منصب، أو ضيق رزق، أو ألم مرض، لم يكن حرمانًا خالصًا، بل صقلاً لمرآة القلب. فلو بقي لي كل ما أحببت، لازددت التصاقًا بالدنيا، ولأكثرت من نسبة الفضل إلى نفسي وجهدي وحسن تدبيري. وكان قاموسي سيمنح ذلك كله أسماء جميلة: سعيًا، وحكمة، وتخطيطًا.
وقد تداوله العلماء بعد الغزالي؛ فشرحه قوم، واختصره قوم، وخرّج أحاديثه قوم، ونبّه آخرون إلى ما فيه مما يحتاج إلى تمييز. لذلك لا يُقرأ كصوت نهائي لا يُراجع، ولا كاسم يتجاوز؛ بل كإمام كبير يُنتفع ببصيرته، ويُوزن كلامه بميزان الدليل.
وكأنني في ختام هذا المقال أسمع أبا حامد، رحمه الله، من وراء متحفه في آفات القلوب وحظوظ النفس وتلبيسها، يردّني إلى موضع الحذر: قد تكون هذه الكتابة نفسها حظًا خفيًا. فقد يخرج المرء من حب المنصب إلى الإعجاب بالزهد، ومن طلب الصيت إلى صيت التواضع.
لذلك لا يكون صقل المرآة نهاية الطريق، بل بداية المحاسبة: أن ترى الحجاب، ثم تخاف أن يعجبك أنك رأيته. وما يبقى من القاموس كله إلا: «إياك نستعين».
