من علّم السوق الكلام؟

سعيد محمد عبيد بن زقر (كاتب في الشأن الاقتصادي).

في «أرفض المسافة»؛ كلمات الأمير بدر بن عبدالمحسن، وألحان محمد عبده وغنائه: يعلّم الحبُّ أحدَ الحبيبين السكوت، ويعلّم الآخر الكلام. وفي واشنطن جرى المشهد نفسه بلا حب: تعلّم كيفن وارش السكوت؛ فلما سكت هو، تعلّمت الأسواق الكلام.

وارش، رئيس الفيدرالي الجديد، يقف بين مطلبين لا يجتمعان: ترامب يريد إرضاء الناخب بفائدة منخفضة تُرخص قسط بيته وسيارته، وتضخّم لا يُكبح إلا بفائدة مرتفعة. فاخترع طريقًا ثالثًا: الصمت. لا يَعِدُ، ولا يهدد، ولا يقول ماذا سيفعل ولا متى. ويراهن أن الأسواق أدمنت 30 عامًا على كلام الفيدرالي، وأن سحب المخدّر سيجعلها تنضج وتعتمد على نفسها.

يوم الأربعاء جاءه أول جواب. ثبّت الفيدرالي الفائدة، لكن حَمَلَةَ سندات الـ 30 سنة لم يطمئنوا إلى الصمت؛ فباعوا. ومن يبيع السندَ يُنزل سعره، ومن ينزل سعره يرفع عائده؛ فقفز عائد الـ 30 سنة فوق 5.2%، أعلى مستوى منذ 2007، وخسر داو جونز أكثر من 1,100 نقطة في يوم واحد. الفيدرالي ثبّت بيده، والسوق رفع ببيعه.

وهنا المفارقة التي تتسف الرهان كله: كل ما يمس حياة الناخب يُسعّر على هذا العائد الطويل، لا على فائدة الفيدرالي. قرض البيت الأمريكي قرضُ 30 سنة يمشي خلفه؛ والفرق بين رهن بـ 5% ورهن بـ 7% عشرات الآلاف من الدولارات على عمر القرض. وديون الشركات التي توظف الناس تُسعّر عليه. حتى الحكومة، التي لا يوجعها الاقتراض ما دام الكونغرس يزيد الإنفاق ويخفض الضرائب في النفس الواحد، صارت فوائد دينها تفوق 1,000 مليار دولار سنويًا على دين جاوز 39 تريليونًا؛ ألف مليار لا تبني طريقًا ولا مدرسة، بل تصب دخلاً في جيوب حَمَلَة السندات. أما فائدة الفيدرالي القصيرة فلا يقترض بها إلا البنوك، ليلةً واحدةً. فوارش سكت إرضاءً لمن يحب؛ فارتفعت على الناخب، بيتًا وراتبًا وغلاءً، الفائدةُ الوحيدة التي يدفعها فعلاً.

ووارش ليس أول من جرّب. فولكر ادّعى قبله ترك الفائدة للسوق وقال إنما استهدف كمية النقد، فقفزت فوق 20% وتأرجحت تأرجح المجنون، حتى طوى التجربة عام 1982 وعاد يحدد الفائدة بيده. وغرينسبان رفع بلا كلام عام 1994 فذُبِح سوق السندات، ثم صار هو نفسه من علّم الفيدرالي الكلام بالإرشاد المسبق. وباول قال إن التقليص «على الطيار الآلي» فانهار السوق وانقلب على كلامه. وبنك إنجلترا انكسرت أمامه صناديق التقاعد فاشترى سنداتها شراء المُسعِف. القصة واحدة: الفائدة لا يحددها سوق؛ يحددها من يُصدر النقد، شاء أو أبى. فمن سحب يده لم يترك القرار للسوق، بل تركه للفوضى، ثم عاد فمدّ يده.

وعودة اليد في زماننا لا تكون إلا ضخًا. والسيولة حين تضخ لا توَزَّع رواتب. تشتري أصولاً: سندات وأسهمًا وعقارات، فترتفع أسعارها. والأصول؛ من يملكها؟ لا يملكها موظف الراتب الذي يأكل التضخم مدخراته. يملكها الأثرياء. ولهذا؛ بعد كل إنقاذ تقفز ثرواتهم إلى مستويات تاريخية، ويدفع الباقون الثمن غلاءً.

وعودًا على بدء: المحب في الأغنية ما رفض الكلام ولا السكوت؛ رفض حوارًا من وراء حجاب. وهذا صنيع وارش بالأسواق: ما قطع الحديث، بل مدّه من خلف جدار، وقد قال الأمير حكمه قبل أن يولد هذا الجدار: «أرفض الصمت الحوار بيننا خلف الجدار» والسوق يوم الأربعاء، قال الحكم نفسه: بالسعر. فإن انتهت التجربة كما انتهت سابقاتها؛ كسرٌ، ثم يدٌ تعود؛ فلن يكون وارش قد فاجأ أحدًا؛ الذي تعلّم الكلام لا يعود إلى السكوت.


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى