حرفٌ واحد بين الجنة والنار
في القرآن كلمة جميلة، وفي الحديث كلمة قبيحة، والعجيب أن الكلمتين تكادان تكونان نفس الكلمة.
الأولى: «المُخْبِت». قال الله: {وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ} (الحج: 34)، والمُخْبِت هو الهادئ المتواضع الذي إذا سمع ذكر الله لان قلبه وخشع. مدح عظيم، وصاحبه بشّره الله.
الثانية: «المُخَبِّب». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من خبّب امرأة على زوجها» (رواه أبو داود). والمُخَبِّب هو الذي يدخل بين الزوجين ليفسد ما بينهما، يهمس هنا وينقل كلمة هناك حتى يخرب البيت. ذمّ شديد، وصاحبه تبرّأ منه النبي.
انظر: مُخْبِت… مُخَبِّب. حرف واحد، تاء صارت باء، فانقلب المعنى من أجمل صفة إلى أقبحها. من رجل يبني قلبه بذكر الله إلى رجل يهدم بيت غيره بالكلام.
كيف عرفنا الفرق؟ لأن علماء قدماء تعبوا من أجلنا. قبل أكثر من ألف سنة خرج رجال يجمعون كلمات العربية واحدة واحدة، يسألون أهل البادية عن معانيها وأصولها، ثم كتبوها في كتب ضخمة نسميها اليوم «القاموس». خافوا أن تمر السنون فينسى الناس المعاني، فيقرأ أحدهم الوحي ويفهمه غلط. تخيل من يقرأ (ليس منا من خبّب) ويظنها من «المخبتين»! سيفهم عكس مراد الله تمامًا.
بل حتى الفصحاء قد يفهمون اللفظ على غير مراده. عديّ بن حاتم لما نزلت آية الصيام {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} (البقرة: 187) وضع تحت وسادته عقالين؛ حبلين؛ أبيض وأسود ينظر إليهما، فأخبره النبي أن المقصود بياض النهار وسواد الليل.
وفي القصة درس لحياتنا: إذا كان حرف واحد يفصل بين أجمل الناس وأقبحهم، فالمسافة بين الخير والشر أقصر مما نظن. كلمة تنقلها بين اثنين قد تجعلك مُخَبِّبًا وأنت لا تشعر، وجلسة ذكر قد تجعلك من المخبتين. فمن وجد في نفسه شهوة نقل الكلام فليحبس لسانه بذكر الله، فالفم الذي يمتلئ بالذكر لا يجد فراغًا للنميمة.
وأختم في السياق بقصة أتعمد ترك شرحها لك لتبحث عنها بنفسك. لما نزل قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} (الأنعام: 82) خاف الصحابة خوفًا شديدًا وقالوا: أيّنا لم يظلم نفسه؟ توقف وتأمل: هؤلاء أفصح العرب، ومع ذلك لم يفهموا الآية على مراد الله حتى بيّنها لهم أفصح من نطق بالضاد صلى الله عليه وسلم. كان هو: إن صح التشبيه؛ قاموس الأمة الأول؛ لا كتابًا يُفتح، بل نبيًا يبلّغ عن الله ما أراد. وكل قواميس الدنيا جاءت بعده تخدم بيانه.
لاحظ عزيزي القارئ: الصحابة فسّروا الآية كعرب فصحاء على ظاهر اللفظ. وهنا السر: كل كلمة طبقات، أولها المعنى الظاهر، وتحته أحكام الدين وتفاصيله. فمن أين نعرف مناسك الحج، وتفاصيل الصيام، والشفع والوتر، وعدد ركعات الصلوات؟ ليست في ظاهر اللغة ولا يخرجها معجم. بيّنها البيان النبوي وحده.
فلولا هذا البيان لضاع الدين، ولأصبحنا كأهل الكتاب الذين وصفهم القرآن بقوله: {فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ} (الحديد: 16)، بقيت بأيديهم الحروف وغاب عنهم البيان، فملؤوا قاموسهم باجتهاداتهم فبدّلوا وحرّفوا.
فاحفظ الترتيب: بيان النبوة يحفظ المعاني، وقاموس اللغة يحفظ الألفاظ، وكلاهما جسر بين كلام الله وفهمك. أما ماذا قال النبي للصحابة عن «الظلم» في الآية (الأنعام: 82)؟ ابحث عنها، فالعلم الذي تتعب في طلبه يبقى في قلبك.
