كان خُلُقُه القرآن
سعيد محمد عبيد بن زقر (كاتب في الشأن الاقتصادي).
رجلٌ سأل عن رجل، فرُدَّ إلى الكتاب، وهو يقرأ الكتاب، فرُدَّ إلى الرجل.
جاء سعدُ بن هشام بن عامر إلى المدينة وقد عزم أمره؛ يبيع عقارًا له بها، ويجعل ثمنه في الكراع والسلاح، ويجاهد حتى يموت، لا يُبقي وراءه دارًا ولا سببًا. لكنه لقي بالمدينة من ردّه، وذكّره أن رهطًا من أصحاب النبي ﷺ أرادوا مثل ذلك في حياته فنهاهم، وقال: أليس لكم فيَّ أسوة؟ فوقف حائرًا بين عزم يراه قربة ونهي يراه قيدًا؛ حيرة من يملك الشدة ولا يملك الميزان؛ ومشى إلى بيت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها. قال: يا أم المؤمنين، أنبئيني عن خُلُق رسول الله ﷺ. قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قال: بلى. قالت: فإن خُلُق نبي الله ﷺ كان القرآن.
تأمل ما جرى في هذا البيت. دخل رجل يسأل عن الرجل، فرُدَّ إلى الكتاب. وهو يقرأ الكتاب، فرُدَّ به إلى الرجل. دورة واحدة أغلقت المسافة بين المصحف والمشية، وكادت تُغني سائلها عن كل سؤال بعدها. وما جرى في ذلك البيت لا يخص سعدًا وحده؛ هو يجري في بيتك أنت، كل يوم.
الميزان لا يتزن إلا بقاموس صحيح. والقاموس الصحيح لا يأتيك إلا من كتاب الله، وكتاب الله يأمرك أن تأخذه من الرجل الذي اختاره الله: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} (الحشر: 7). فالطريق واحد: ميزانك يحتاج قاموسًا، وقاموسك في الكتاب، والكتاب يقول: خذوا عن هذا الرجل ﷺ.
وهل تعرف وزن الكلمة؟ جاء في بعض روايات الإسراء أن النبي ﷺ مرَّ على ثور عظيم يخرج من جحر صغير، فإذا خرج جعل يحاول أن يرجع من حيث خرج فلا يستطيع. قال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الرجل يتكلم بالكلمة العظيمة فيندم عليها، فيريد أن يردَّها فلا يستطيع. الكلمة قبل أن تنطقها تملكها؛ فإذا نطقتها خرجت من فمك صغيرة كالجحر، فإذا هي ثورٌ لن يرجع. وقال ﷺ: وهل يَكُبُّ الناس في النار على وجوههم إلا حصائدُ ألسنتهم. فإذا كان هذا وزن كل كلمة، فما وزن كلمة تطعن في من اختاره الخالق؟ في من كان خُلُقُه القرآن؟ في الميزان منه والقاموس منه؟ والطاعن فيه ﷺ وفي أصحابه لا يهدم الرجل؛ الرجل زكّاه ربُّه من فوق سبع سماوات؛ إنما يكسر الميزان الذي لا يوزن كلامُه هو إلا به. حاشا لله أن أكون منهم، ومن الذين {خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ۖ} (البقرة: 7).
وأما سعد، فقد همّ أن يقوم ولا يسأل أحدًا عن شيء حتى يموت، ثم بدا له، فسأل عن قيام رسول الله ﷺ، فحدثته أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها عن ذلك؛ فقيامه وشفعه ووتره؛ فمن ذلك المجلس نفسه تأخذ الأمة إلى اليوم وصف قيام نبيها ﷺ في ليله. وتأمَّل طريقه؛ خرج يبحث عن الرجل ﷺ، فكان أول ما أمر به أن يراجع امرأته التي طلقها، وكان آخره أن وجد ما يبحث عنه محفوظًا عند امرأة تعرف كتاب الله، ومن الكتاب عرفت من كان خُلُقُه الكتاب. شهد لها ابن عباس: أعلم أهل الأرض بوتر رسول الله ﷺ؛ امرأة. فقيامه ﷺ عبادة بيت لا يراها إلا أهله، فما وصلت الأمة إلا من أمهات المؤمنين.
ثم عاش سعد يعبد ويغزو وأسبابه قائمة، حتى قُتل غازيًا في سبيل الله بأرض مكران؛ قال البخاري: على أحسن أحواله. أراد أن يشتري الشهادة ببيع كل شيء، فمُنع، فأعطيها بعدما تعلّم الميزان؛ من غير أن يبيع شيئًا. ثم أختم بما لا يليق أن يُختم بغيره: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} (الزمر: 53).
