حقّ المؤانسة؛ حين تغيّر قاموسي ثانيةً

في هاتفي ثلاثة أرقام لا أتصل بها ولا أستطيع حذفها. كنتُ أظنّ أن اليُتْمَ عتبةٌ يعبرها الصغار، حتى دخلتُ الخمسين وعبرتُها في سنةٍ واحدة. سنةٌ هجرية لم تكتمل، بدأت بأبي محمد عبيد بن زقر، ثم ثنّت بعمتي صفية التي كان سريرها سريري كل الطفولة، ثم خُتمت بأمي شادية بنت حسين عطار؛ كأنّ السنة لم ترضَ أن تنصرف حتى تأخذ الحضن الأخير.

يقولون في العزاء: البقاء لله. ويصدقون. لكن أحدًا لا يقول لك ماذا تفعل بلغة كاملة مات كل الناطقين بها. فمع أبي كان لي معجمُ القلب؛ ما قابلتُ أحدًا من أصحابه إلا أثنى على قلبه وصحبته، وفي مجلسه ومجلس أبيه من قبله تعلّمتُ أدب السؤال والحوار مع الرجال. وكل ذاكرتي في الصغر أني كنتُ أزوره في المكتب فأجده مشغولاً بمساعدة الناس، فظننتُ سنوات أن هذا هو عمله. وكبرتُ فعرفتُ أني لم أخطئ.

ومع عمتي كان لي معجمُ العين؛ الفنانة التي لم أرها تبكي قط أمام الجمال؛ كانت تمسكه بريشتها قبل أن يفلت، تحفظ لجدة وجوهها وأزقتها وثيابها، فتعلمتُ من سريرها قبل مرسمها أن الجمال لا يُشاهد، بل يُرى.

ومع أمي كان لي معجمُ الحرف؛ الكتاب لا ينزل عن يدها، تقرأ كأن القراءة نَفَسُها، حتى أراد القدر أن عينها لا تتحمل. فيا لله: عمتي علمت العيون أن ترى، وأمي أُخذت منها العين وهي أحوج الناس إليها، وما سمعتُها تشكو؛ كأنها كانت قد خزنت من الحروف ما يضيء لها ما بقي من الطريق.

ثلاث لغات كنتُ أتنقل بينها كما يتنقل أهل جدة بين البلد والكورنيش، لا يشعرون أنهم غادروا مدينتهم. ثم أُغلقت الحدود كلها في سنة.

المصيبة يا سادة ليست في الفقد وحده. المصيبة أن يُطرح في المجلس سؤالٌ حسنٌ فتلتفت لتقول: هذا من مدرسة أبي، فلا تجده. أن ترى لوحةً أو ضوءَ عصرٍ على بيتٍ قديم فتمدّ يدك إلى هاتفك ثم تتذكر. أن تقرأ سطرًا يستحق أن يُقرأ مرتين، ولا تجد العين التي كانت تقرؤه معك.

صرتُ أتكلم العربية مع الجميع، ولا أتكلم لغتي مع أحد.
ولي إخوةٌ وعمّاتٌ وأخوالٌ وأبناؤهم فقدوا ما فقدتُ، وكان لكل واحدٍ منهم مع الراحلين وطنه السري؛ نتشابه في الفقد، ولا نتطابق في اللغة. فنجلس معًا في العزاء الواحد، وكل منا يحرس لغةً لا يسمعها جاره.

وأعرف أن هذا ليس رثاءً؛ فالرثاءُ يُكتب للموتى، وأنا أكتب عن الأحياء الذين مثلي: خمسينيون تبدو عليهم الكفاية، يديرون أعمالاً ويجيبون إذا سُئلوا، وفي داخل كل واحد منهم طفلٌ ينام في سرير لم يعد موجودًا، ويشدّ جلبابًا لم يعد موجودًا، وينادي: يا أبي، فلا يردّ عليه إلا صدى الخمسين.

ثم أعود إلى دفتري القديم – الذي كتبتُ فيه يومًا معنى التوكل حين تغيّر قاموسي أول مرة – وأمحو ما تحت كلمة واحدة، وأكتب:
المؤانسة: كنتُ أظنّها كثرة الجلساء وطيب الحديث. ثم عرفتُ أنها أن يجلس معك من يحسن السؤال قبل الجواب، ومن يرى معك الجمال قبل أن تشير إليه، ومن يقرأ معك السطر فيفهم ما بين سطوره فيك، من غير أن تشرح شيئًا. وهي لا تُترجم، ولا تُورّث، ولا تُستعاد؛ لأنها ليست كلامًا بين اثنين، بل وطنٌ سريٌّ بينهما. وإذا مات أهلُ الوطن، بقيتَ أنت: آخر الناطقين بلغة لا يفهمها أحد، تحرسها وحدك، وتنتظر أن يرحمك الله فيجمعك بأهلها، فتتكلم.


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى