السيف له رجاله… فأين تقف أنت؟
سعيد محمد بن زقر
التاجر لا يوقّع على ما لم يقرأ، وقد قرأت المادة الرابعة والثلاثين من النظام الأساسي للحكم، فوجدتها تسمّي ما أكتب فيه منذ سنين.
وقفت قبلُ عند مادتيه الأولى والسابعة: دستور هذه البلاد كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .
واليوم أقف عند مادتين متجاورتين.
الثالثة والثلاثون تقول إن الدولة تنشئ القوات المسلحة وتجهزها للدفاع عن العقيدة والحرمين الشريفين والمجتمع والوطن.
والرابعة والثلاثون تقول إن الدفاع عن العقيدة الإسلامية والمجتمع والوطن واجب على كل مواطن.
الدولة تقوم بما عليها. ويبقى ما علينا. ولم يقل النص «كل جندي» قال «كل مواطن». ولكل مواطن ثَغْر يحرسه. المعلم على عقل طفل، والطبيب على سرير مريض، والأم على بيت يخرج منه من يعرف من هو.
وأنا أعرف أين أقف، وأسأل الله الثبات.
لست جنديًا. وللجنود على الحد أول المواقع وأشرفها، حفظهم الله وجزاهم عنا خيرًا.
أنا تاجر. وباب التاجر رفّ لا يخلو، وسعر لا يستغل الظرف.
كتبت قبل شهرين عن بحر له بابان، وعن اقتصاد له طريقان. كان ذلك ذَوْدًا عن الوطن (كلمة من الرف العالي بمعنى الدفاع عنه وردّ الأذى) بلغة السوق. وكتبت، ناقلًا عن أهل العلم، أن السنة وحي نأخذ منه ديننا كما نأخذه من القرآن. وكان ذلك دفاعًا عن العقيدة، وهي أول ما سمّته المادة.
وأنا كاتب. وباب الكاتب أضيق مما يظن الناس. والنظام نفسه رسم حدود هذا الباب. مادته التاسعة والثلاثون تُلزم كل وسائل التعبير بالكلمة الطيبة وبدعم الوحدة، وتمنع ما يثير الفتنة أو يمس أمن الدولة.
وحضرت مجلسًا لخادم الحرمين الشريفين، حفظه الله، في قصر السلام بجدة، ولا أنسى ما قال، ومعناه: اكتبوا، بموضوعية، وبلا شخصنة، وبناءً.
ثم قرأت لسمو ولي العهد، حفظه الله، في حوارين منشورين ما معناه: نقد الإعلام لعمل الحكومة وخططها أمر جيد، ويكتب من شاء ما شاء، ما لم يتجاوز ثلاثة خطوط: الدين، والشخصنة، والأمن الوطني.
بهذا المعنى جاء النظام، ثم الملك، ثم ولي عهده. وفي الثلاثة جاء الإذن ومعه حدّه.
فالنصيحة الصادقة حراسة، لا خصومة.
والحد هو الذي يجعل الكلمة دفاعًا. الكلمة التي تتجاوزه تفتح بابًا ولا تسده.
وأقرأ قول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ (التغابن: ١٦)، فأجد فيه ميزاني: أعمل قدر استطاعتي، ولا أتجاوز ما أُذن لي فيه. والعلم عند أهله.
لذلك لا أكتب عن الميدان، فله رجاله ومتحدثه. ولا أنقل ما لم يُعلن. ولا أرفع صوتي لأثبت حبًّا لا يحتاج إلى إثبات.
أكتب فيما أعرف: السوق، والبيت، وهذا الدين الذي بايعنا عليه.
وإن رأيت خللًا في باب غيري نبّهت حارسه، ولم آخذ مكانه.
ومن ترك موقعه ليقف في موقع غيره ترك بابين بلا حارس.
الوطن لا يسألك: أين سيفك؟
يسألك: على أيّ ثَغْرٍ تقف؟ وهل أنت ثابت عليه؟
(اللهم انصرنا على من عادانا واجعل بلادنا بلدا آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين).
