يكفيه أن تقع
سعيد محمد عبيد بن زقر
سمعتُ الآية وأنا لا أطلب شيئاً، ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (يوسف: 83)، فدعوتُ: يا عليم يا حكيم، صبّرني صبراً جميلاً.
ثم انتبهتُ. يعقوب عليه السلام لم يقف عند الرجاء، أثنى على ربه باسمين، ثم التفتَ إلى أبنائه: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا﴾ (يوسف: 87). ثناءٌ، فرجاءٌ، فسببٌ، لم يُعِقهُ الرجاء، من العَمى، ولم يُغْنِهِ السعي عن الرجاء. كانت لحظة جميلة. آية أسمعها منذ سنين، وكأني أسمعها أول مرة، وهنا بدأ الخطر.
أحببتُ اللحظة، أعجبني أني فهمتُ، ووجدتني أدور حول الاكتشاف لا حول الآية، وحول نفسي التي اكتشفت لا حول ربي الذي كشفَ. تذكرت الغزالي رحمه الله، والعُجب عنده في «الإحياء» بمعناه: أن تستعظم النعمة وتنسى من أنعم بها.
المعصية تترك في القلب كَسْرة، والكسرة قد تردّك إلى الباب. أما الطاعة إذا أعجبتك نفسك فيها، فتترك في القلب شيئاً يشبه الامتلاء، والممتلئ لا يطرق باباً.
ولهذا قال ابن عطاء الله السكندري رحمه الله في حِكمِه: «رُبّ معصية أورثت ذلاً وافتقاراً، خيرٌ من طاعة أورثت عزّاً واستكباراً». وليس هذا مدحاً للمعصية، المعصية معصية، المدح للافتقار الذي يردّ صاحبه إلى ربه.
المعصية تترك في القلب كَسْرة، والكسرة قد تردّك إلى الباب. أما الطاعة إذا أعجبتك نفسك فيها، فتترك في القلب شيئاً يشبه الامتلاء، والممتلئ لا يطرق باباً.
ولهذا قال ابن عطاء الله السكندري رحمه الله في حِكمِه: «رُبّ معصية أورثت ذلاً وافتقاراً، خيرٌ من طاعة أورثت عزّاً واستكباراً». وليس هذا مدحاً للمعصية، المعصية معصية، المدح للافتقار الذي يردّ صاحبه إلى ربه.
نحن نظن أن الشيطان يريدنا عصاة فقط، وهذا ظنٌّ يريحه. الشيطان لا يهمه في ماذا تقع، يكفيه أن تقع. وعَدّ ابن القيم رحمه الله في «مدارج السالكين» سبع عقبات، يطلب الشيطان الأكبر فإن عجز رضي بالأصغر: الكفر، فإن نجوت فالبدعة، ثم الكبائر، ثم الصغائر، ثم المباحات يشغلك بها عن الطاعات، ثم الطاعة المفضولة يشغلك بها عن الأفضل. فإن نجوت من الست سلّط عليك من يؤذيك بيده ولسانه. والعجيب ليس من السبع، هذا قياسي؛ من رضي منك بطاعة أقل، يرضى بطاعة تُعجبك. إن لم يجدك عند الشهوة انتظرك عند السجادة، وإن عجز أن يُنسيك الآية، أفرحك بنفسك وأنت تتدبرها.
إبليس لم يسقط بشهوة، كان مع الملائكة، ثم أُمر بالسجود فأبى، وقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ﴾ (الأعراف: 12). بدأ برؤية نفسه، وانتهى بالكبر على غيره، العُجب أول الطريق، والكبر آخره. والذي أمر بالسجود فابي، هو الذي ينتظرني عند السجادة، فهو لا يدلّك على طريق لا يعرفه، يدلك على الطريق الذي نزل منه.
وأما الباب الآخر فأعرفه من قديم، تذكرتُ الأبيات المنسوبة إلى الشافعي رحمه الله:
شكوتُ إلى وكيعٍ سوءَ حفظي … فأرشدني إلى تركِ المعاصي
وأخبرني بأنّ العلمَ نورٌ … ونورُ اللهِ لا يُهدى لعاصي
شكوتُ إلى وكيعٍ سوءَ حفظي … فأرشدني إلى تركِ المعاصي
وأخبرني بأنّ العلمَ نورٌ … ونورُ اللهِ لا يُهدى لعاصي
لم يشكُ قدره ولا زمانه، شكا نفسه. وأنا أشهد على نفسي بمثله، كلما شغلتني معصية افتقدتُ النباهة، بيهت (كلمة من الرف العالي بمعنى يذهب لونه) شيء في الرأس قبل أن يبهت في القلب. لكي تعلمتُ هذا الصباح أن النباهة تُفقد من باب آخر: حين أفرح بها، ولم يتركني ابن عطاء الله عند الخوف، قال: «لا تُفرحك الطاعة لأنها برزت منك، وافرح بها لأنها برزت من الله إليك». ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ (يونس: 58)، بفضله، لا بفهمي. فالميزان ليس كم أطعت، الميزان ماذا بقي في قلبي بعد الطاعة: كَسْرةٌ أم امتلاء. وعند العقبة السابعة عدتُ إلى دعائي الأول: أذى الناس دواؤه الصبر الجميل، لكني خرجتُ بصبرٍ لم أسأله، الأذى يأتيني من خارجي فأعرفه، والعُجب يأتيني من داخلي فأحسبه نعمة.
هذه خاطرة قارئ وقف عند آية، والعلم عند أهله.
يا عليم يا حكيم، صبّرني صبراً جميلاً، وصبّرني على نفسي إذا أحسنتُ.
يا عليم يا حكيم، صبّرني صبراً جميلاً، وصبّرني على نفسي إذا أحسنتُ.
