رب يقينٍ أَضل من جهلِ

سعيد محمد بن زقر

قفا نبك؟ لا، بل قفا نضحك قليلاً من يقين كان لي، فعفا رسمُه كما تعفو الديار بعد أهلها.
كنت على يقين، يقين من لا يسأل، أن مدفوعاتنا تسير في دروب متفرقة، وأن غيرنا سبقنا فجمع دروبه في درب واحد. ثم شددتُ رحلي وسألت الأدلاء. فإذا «مدى» درب واحد لبطاقات البنوك كلها منذ ١٩٩٠. وإذا «سداد» مورد واحد للفواتير منذ ٢٠٠٤. وإذا «سريع» بريد واحد يبلغُ المال في لحظته منذ ٢٠٢١. وإذا خمسة وثمانون من كل مئة عملية دفع في أسواقنا تمضي بلا درهم ولا دينار. وإذا من كنتُ أغبطه على سرعته، بطاقته الوطنية ما تزال حديثة العهد بالسوق، وبطاقتنا أتمت ستة وثلاثين عامًا. فكنت كمن يحسد جاره على بئرٍ حفرها، وفي داره بئرٌ من أيام جَدّه.
فما الذي بقي؟ بقي ما فوق الدرب: لسانٌ واحد يتكلم به كل من أراد أن يسيّر قافلته عليه، فلا يشقُّ كل تاجر ممرَّه بيده ثم يرمّمه وحده. والبنك المركزي قد مضى في ذلك؛ واجهة موحدة لمدفوعات التجارة الإلكترونية، ومصرفية مفتوحة توحّد قواعد الربط وبدء المدفوعات. فليس السؤال: هل نسير؟ بل: كم نُسرع؟ وهمّةٌ كجبل طويق لا تنكسر، فلا تُسأل عن العزم، وإنما تُسأل عن الوجهة.
وغدًا لن تدفع أنت. سيدفع عنك وكيلٌ آلي لا يحمل بطاقة ولا يُحسن عشرين لهجة، وإنما يعرف لسانًا واحدًا مكتوبًا. ومن كتب ذلك اللسان أولاً تكلّم به جيرانه. وقد رخّص الذكاء الاصطناعي شقَّ الدروب، فكثر السالكون وكثر المتربصون.
وقد قال لي يوما بعض أهل الشأن: البيت الذي له باب واحد، إذا احترق بابه سقط كله. وهو قول حق، والعيب في عبارتي لا في فهمهم. فما دعوت إلى باب واحد، وإنما إلى لسان واحد. كثّروا الأبواب ما شئتم، ووحّدوا مفاتيحها.
ثم إن المدائن قلما سقطت من أبوابها. وقفت الزبَّاء، ملكةٌ من ملكات العرب قبل الإسلام، على سور مدينتها ترى قافلة تاجر وثقت به وربحت معه مرارًا. ورأت الإبل مثقلة فقالت: (ما للجمال مشيُها وئيدا، أجندلاً يحملن أم حديدا)، أي أصخرًا تحمل أم حديدًا؟ ثم قالت في آخر أبياتها: «أم الرجالُ جُثَّماً قعودا». نطقت بالحق وهي لا تصدّقه، ثم فتحت الباب، وكان في الغرائر الرجال. فأخطر الخطر لا يقتحم الأبواب، بل يدخل في ركاب الثقة. ولم تخطئ الزبّاء حين وثقت، وإنما حين لم تجعل لثقتها ميزانًا؛ رأت الحمل ثقيلاً فشكّت، ولم يكن عندها وزنٌ معلوم تقيس عليه. واللسان الواحد المكتوب هو ذلك الميزان: غرائز من نسج واحد معلوم الوزن، فإن ثقُلت واحدةٌ عرف كل حارس.
وللمملكة ما ليس لغيرها: دروبٌ وُحدت مبكرًا، وصدارة عالمية في الأمن السيبراني، و(هيومين) تبني الصنعة من أساسها إلى سقفها، وعقول من أبناء البلد دخلت بها بيوت المال. ولا يكتمل المجلس إلا بثالث: أهل السوق. المنظّم يسنّ القاعدة، وأهل الصنعة يبنون الآلة، وأهل السوق يعرفون أين تعثر الدابة في الطريق، وأين يتعثر البيع عند الزبون. وأول ما يُسألون عنه شيءٌ نجهله حقًا: كم عملية دفع تُردّ لعلّة في الآلة لا في المشتري؟
وقد تعلّمنا يوم أُعلنت الرؤية أن أنجح الرؤى ما بُني على مكامن القوة. وكنت خرجت أبحث عن مكامن الضعف، فدلّتني الرحلة على مكامن القوة. قالت الزبّاء في آخر أمرها: «بيدي لا بيد عمرو»، قالتها وهي تهلك. ونقولها نحن ونحن نبني: نكتب لساننا بأيدينا، قبل أن يكتبه لنا غيرنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى