الطاعة لا تكلّف اقتصاديًا
سعيد محمد عبيد بن زقر
الزوجة الصالحة من نعم الله ورزقني ربي زوجة صالحة من الرياض، أصول أهلها من القصيم، ونِعم القصيم وأهلها.
من باب الترويح، جلست مع صديقتها في مطعم بجدة، في *حشمة وستر* لا يطلب من أحد شيئًا.
فقامت إليهما امرأة لا تعرفانها، تتهجّم وتتهم: أنتما لا تفهمان الدين.
كانت قد كشفت كل ما يُكشف، ولم يبقَ مستورًا إلا رأيها. فلما تكلمت لم يبقَ شيء.
لم تردّ زوجتي. وكيف تردّ وقد قرأت: ﴿وعبادُ الرحمن الذين يمشون على الأرض هونًا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا﴾؟
لو بقيت تلك على طاولتها ما كتبت عنها حرفًا. لباسها شأنها وحسابها على ربها، حتى جعلت هي لباس غيرها شأنها.
عرفنا زمنًا كان فيه من يقتحم على الناس باسم الله ليقول لهم: أنتم لا تفهمون الدين.
ذهب ذلك الزمن وبقيت الجملة. انتقلت فقط إلى الطاولة المقابلة.
بالأمس قيلت لمن كشفت، واليوم *انعكس الاتجاه* لتُقال لمن سترت. والمتكلم باسم الله في الحالين لم يوكّله أحد.
ويُقال اليوم إن لكلٍّ أن يختار. فليكن: وهاتان اختارتا. فلماذا تُسألان وحدهما عن اختيارهما؟
ذكّرني المشهد بكلمة للشيخ الشعراوي رحمه الله”الحلال لا يتعب، إنما يتعب الحرام. الحرام هو الذي يكلّف. كل الأشياء تكلّف اقتصاديًا، ولكن الطاعة لا تكلّف اقتصاديًا”.
قال “اقتصاديًا”، وهو يعني ما يقول.
المرأتان لم تدفعا شيئًا. لا حجة ولا دفاع ولا جمهور. والتي قامت دفعت أعصابها ومشهدًا أمام الناس وخطبة لم يطلبها أحد.
اقرأ *يا صديقي* قائمة المحرمات بعين المحاسب: الخمر تُشترى، والميسر يُدفع فيه، والربا زيادة تُسدَّد.
والزنا أغلاها. مال في السر، وبيت يُهدم في العلن، وقد يكون في آخر الفاتورة طفلٌ لم يوقّع عليها.
والطاعة أكثرها ترك، والترك لا سعر له. وحتى ما يُدفع منها قيل فيه؛ “ما نقصت صدقةٌ من مال”.
ولأن البضاعة غالية احتاجت إلى تسويق، وأول التسويق تغيير الاسم.
في عالمنا اليوم قاموسان تحت سقف واحد. وهذا الثاني يعمل: الزنا “علاقة”، والربا “فائدة”، والرشوة “تسهيلات”، والحشمة والستر “جهل بالدين”.
وقد سبق الخبر؛ “ليشربنّ ناسٌ من أمتي الخمر يسمّونها بغير اسمها”.
والاسم الجديد لا يغيّر الفاتورة. ففي دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية كانت سبع من كل مئة ولادة خارج عقد الزواج عام ١٩٧٠. وفي ٢٠٢٣ تجاوزت الأربعين.
وبعد الاسم يأتي الإعلان. من ينشر معصيته يوسّع سوقها. وفي الحديث؛ “كل أمتي معافى إلا المجاهرين”.
وبعد الإعلان يأتي الزحام. مجالس السخط لا تحتمل الوحدة، ولا يكفيها أن تغيّر القاموس حتى يقرأ منه الجميع.
ومجالس السخط قديمة قِدم الناس، ولن تخلو منها مدينة. هذا شيء.
أما أن يقوم من يزاحم فيها إلى من احتشم فيتهمه في دينه، فهذا شيء آخر، وهو كبير.
لا أعرف ما في صدرها، لكني أعرف ما فعلت: قامت من طاولتها لتسوّي بين الطاولتين.
ستر المرأتين كان مرآة، والمرآة تُكسر حين لا يعجبنا ما فيها.
لا أطلب إغلاق باب ولا رقيبًا على أحد. أطلب أن تُترك الطاولة الأخرى وشأنها.
ولائحة الذوق العام عندنا تنصّ “لا يُسمح في الأماكن العامة بأي قول أو فعل فيه إيذاء لمرتاديها”.
كل الأشياء تكلّف كما قال الشيخ الشعراوي : المعيشة والتجارة والزواج. يدفعها التقي والفاجر.
ولكل من الفواتير ما الله به عليم. والتوبة تُسقط ما بيننا وبين الله، عني وعنها.
أما الطاعة فلا تضيف إلى الفاتورة سطرًا. لا اسمًا مستعارًا، ولا جمهورًا، ولا معركة في مطعم.
عادت زوجتي إلى طعامها.
والأخرى ما زالت تدفع.
