ولتصنع على عيني
سعيد محمد بن زقر
علمتني أمي وأنا طفلٌ صغير أن أتوكل على الله قبل كل شيء، هذا كل ما أذكره؛ كلمة (قبل). والطفل الذي جرى له في ذلك البيت ما لا يتسع قاموسُ طفلٍ لشرحه فسّر الدرس على قدر جرحه؛ فهمه حمايةً. فصرتُ أحتمي قبل كل صغيرةٍ وكبيرة: قبل اللقمة، وقبل أن ترمش عيني أو أبلع ريقي أو أخذ النسمة التالية أو تنزل قدمي الأرض ماشيًا أو راكضًا، حتى المكان الذي نستعيذ عند بابه من الخبث والخبائث. أقول في نفسي: يا ربي، إن فيه خير يبشره. ثم أحبس النفس أقل من لحظة، حبسةً لا يراها أحد؛ حتى أنوي ما قلت. حرّض حيرتي عمرًا، واليوم أفهم: لم تكن شدة عبادة، كانت شدة خائف يحتمي. وما تكرر الذي خفتُ منه بعدها. أجاب الله دعاء الطفل بالمعنى الذي قصده.
ثم كبرتُ، وقرأتُ، وسافرتُ.
وبعد عقودٍ مرَّ بي درسٌ للشيخ ابن باز رحمه الله عن رجلين يأكلان: واحدٌ لجوعه، وآخر لأن الله أمره. فوقفتُ. لم يعلمني الشيخ جديدًا؛ سمّى لي قديمًا. فقلت: هذا أنا. أو قل: هذا أنا الذي كان.
ولا أرويه سماعًا؛ أنا من قلةٍ حفظت طفولتها بعين الكاميرا؛ أرى الضوء، والجدار، ويدي الصغيرة قبل اللقمة. كتبتُ من هذه العين كلبًا مات لأحيا، وقطةً رميتها وأنا أعدّ أرواحها. فلستُ أظن أني كنت أفعل؛ أنا أراني أفعل.
بيتٌ واحد جمع لي الأمرين: فيلا بن زقر على طريق المدينة. فيه عاش أبي؛ ومولده ومرباه في حارة الشام؛ وجدي وجدتي حتى ماتا، وفيه حبٌّ يملأ عمرًا؛ البيت الواحد يتسع للنعمة والجرح.
كان الطفل يبحث عن عين. عين تصيح “وي يا سعيد” فتدركه، وعين كلبنا عنتر التي رأت السيارة قبلي، وعين خالي حسن حسين عطار رحمه الله حين وجدني أنزف فحملني. لكنَّ في ذلك البيت ما لم تره عين مخلوقة؛ راه خالقي وحده. وعندها ارتحتُ وقبلت: إذا لم تدركني عيون الخلق فقد أدركتني عينٌ من لا ينام. وقرأتُ بعد عمرٍ قول الله لموسى عليه السلام وهو رضيع يُلقى في اليم: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ (طه: ٣٩)؛ فوجدتُ في الآية؛ والعلم عند أهله؛ اسم راحتي القديمة.
ثم كبر الطفل وسافر، ورافقه الصوت إلى مقاعد الجامعة في أوريغون. ثم جلس في مجالس لا يُذكر الله فيها، وخالط من يطالع مواقع صُنعت للسخط؛ صنعة غير التي صُنع عليها. لم أقرر يومًا أن أترك شيئًا. لكن الصوت نزل درجة، ثم درجة. وأنا؛ صاحب عين الكاميرا؛ لا أذكر متى ظننتُ أن الصوت غضب مني. ما مات؛ الصوت الذي يموت لا تسمعه. صار همسًا. وللقلب صدى كما للحديد: عودًا فوق عود، شاشة فوق شاشة؛ وجلاؤه بضد ما ران عليه؛ هكذا قرأتُ عند الغزالي وابن القيم رحمهما الله. والعادة التي بدأت بلا كتاب لا تحتاج كتابًا لتعود؛ تبدأ من لقمة، وتعود إلى كل شيء.
وأمي شادية بنت حسين عطار رحمها الله كانت أول عين حرستني: غرست الدرسَ، وطوت الأيامُ ذكر الغرس حتى حسبتُه من طبعي. حدثتني عن التوكل فحماني به مما لم أستطع يومها أن أحكيه لها، ثم شاء الله أن تفقد بصرها في آخر عمرها؛ ماتت وهي لا ترى؛ وكان القدر كان يهيئني لفراق أول عين حمتني، ويعلمني قبل الوداع أن العيون المخلوقة تُطفأ، وعين من صنعني لا تنام. والذي صنعني على عينه أجرى أول الصنعة على يدها؛ فكان أول ما رأيت من عنايته عينها.
واليوم حين أصغي إلى الهمس لا أحزن. الهمس بشارة؛ لو انقطع الصوت لما همس. والعين لا تغادر؛ نحن الذين نشيح. أعود عودة المسافر إلى بيت عرفه: أطرق بابي الأول، وأستأذن ربي قبل الحركة كما أستأذنه طفل علمته أمه. ذاك الطفل لم يصنع نفسه. ذاك صنع ربي.
