من أنت؟
سعيد محمد بن زقر
من أنت لأخذ ديني عنك؟ سؤال قصير، بنيت عليه هذه الأمة علمًا كاملًا لم تعرفه أمة قبلها ولا بعدها. قاله التابعي الكبير محمد بن سيرين: (إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم). وقال عبدالله بن المبارك : إمام عصره، جمع العلم والجهاد والتجارة حتى قيل: ما ترك بخراسان مثله: «الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء».
وقبل أن أكمل، دعني أقدم لك رجلًا أجاب عن هذا السؤال بعمره كله.
وُلد محمد مصطفى الأعظمي سنة 1932 في بلدة تشاجين بشمال الهند، والإنجليز يحتلون بلاده ويخنقون أنوالها (من الرف العالي: النَّوْل مكينة الحياكة الخشبية، وجمعها أنوال). أخرجه أبوه من مدرسة المحتل الإنجليزية إلى المدرسة العربية، غيرة على دينه. وما كانت غيرته وسوسة؛ فالإنجليز كانوا قد شنقوا علماء الهند بعد ثورة 1857، وأخرجوا لغة الدين من مدارسها. فهموا بفطرة العدو ما يفهمه المحدثون: أن الدين لا يُمحى بحرق أوراقه ؛ فالورق يُطبع غدًا ؛ وإنما بقطع سنده: يُقتل العالم وتُمات اللغة، فينقطع (حدثنا فلان عن فلان)، جيلًا فلا يعود.
لكنهم غفلوا عما غفل عنه كل جبار : القلوب لا تُشنق. حمل الهنود دينهم في صدورهم، ينقله الأب لابنه والشيخ لتلميذه. حتى أقام الناجون ديوبند ليصلوا السند قبل أن ينقطع ؛ وفيها تخرج فتانا.
ثم نال أعلى شهادات الأزهر يومذاك، ثم فعل ما لم يخطر لأبيه: تعلم لغة القوم التي أغلق بابها في وجهه، وحمل بحثه إلى جامعة كامبريدج مستشرقوكم يزعمون أن حديث نبينا صلى الله عليه وسلم بقي قرنين بلا كتابة؛ فهاتوا موازينكم أفحص الدعوى أمامكم. فعدّ كُتّاب الحديث في القرن الأول رجلًا رجلًا بأسمائهم وتراجمهم، فأجازته كامبريدج بالدكتوراه سنة 1966، وصار كتابه «دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه» من المراجع المعتمدة في بابه عند الغربيين أنفسهم، ونال على أعماله جائزة الملك فيصل العالمية للدراسات الإسلامية.
وانظر: الرجل نفسه استمارة مملوءة ؛ نعرف مولده وبلدته وشيوخه في ديوبند والأزهر وممتحنيه في كامبريدج؛ عاش بالمعيار الذي دافع عنه.
وقف الرجل بين الكومين اللذين يقف بينهما شبابنا اليوم كتب الغرب في يد، وعلم الجرح والتعديل في يد. قرأ الاثنين بلغتيها، ثم قرر وقراره حجة من جرب لا تقليد من سمع ديني أخذه من الرجال الذين نقلوه وحيًا يُتلى ووحيًا غير متلو.
لأن الأمة ما تركت سؤال «من أنت» دعوى، بل جعلته صنعةً لها سجلات. سألت كل ناقل متى ولدت وأين؟ وممن سمعت، وهل أدركته أم بينكما جيل؟ أتصدق؟ أتحفظ أم تتوهم، فيخونك حفظك وأنت لا تدري؟ وكتبت سيرة كل من نقل حرفًا : «التاريخ الكبير للبخاري»، و«الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم، و«الميزان» للذهبي ؛ أرشيف عمره اثنا عشر قرنًا تعرف منه رَأْيَ مَات قبل ألف سنة أكثر مما تعرفه شركات اليوم عن موظفيها، حتى مَن جُهل حاله كتبوا تحته: مجهول ؛ فالجهالة نفسها حُكم مسجّل، والباب لا يدخله أحد بلا ورقة. كل رجل في السند رهن بكل حرف اسمه وعرضه، يعلم أن كلمة «كذاب» إن لصقت به حملها اسمه إلى يوم القيامة.
وكلمة لك أيها الشاب: كل طعن مرّ عليك في هاتفك أو سيمر، سبقك إليه العلماء وأثبتوا جوابه في الكتب قبل أن يولد صاحب الحساب الذي أرسله الطعون لا تتجدد؛ تتجدد حسابات ناشريها.
وبعد، فلستُ أخاصم أحدًا؛ كل ما فعلته أني ناولتك ميزان الأمة في قبول الكلام عن نبيها صلى الله عليه وسلم.
فإذا جاءك من يطعن في السنة في هاتفك أو في مجلس ؛ فلا تجادله ولا تغضب اسأله سؤالًا واحدًا من أنت؟ ممن أخذت علمك؟ ومن يعرفك؟ وما حالك في الصدق والحفظ؟
فإن أجاب كما أجاب رجال الأسانيد، سمعنا كلامه ووزنّاه كما وُزن كلامهم. وإن لم يجب، فقد أجاب.
سؤال واحد، عمره أربعة عشر قرنًا، يكفيك في كل معركة: من أنت؟
