عنتر وسيسي – الجزء الأول
عنتر وسيسي – الجزء الأول
هذه من ذكريات الطفولة، فقد أخذ الهواء «كرتي» وألقى بها في منتصف طريق المدينة، وكان يومها أسفلتاً بسيطاً لا يكاد يغطي الرمل، لا مباني غرباً ولا شرقاً، وإذا التفت جنوباً رأيت حي الرويس. ركضت وراء الكرة، وأنا منحنٍ على الأرض لأخذها فسمعت صوت سيارة، والتفت فإذا شفروليه حمراء ضخمة تنزل عليّ. وفي آخر لحظة قفز أمامي عنتر، الكلب الألماني الذي اشتراه عمي أبي عبدالله رحمهما الله من القوات الجوية المصرية، ووقف عنتر على رجليه الخلفيتين ودفعني برجليه الأماميتين. عشتُ أنا ومات هو. أذكر آخر صوت خرج من حنجرته، ودفنته في منتصف الطريق، بين الطالع والنازل.
حكى لي ابن عمتي غازي عبدالله آبار، وهو يكبرني بسنين لن أذكر عددها، أن أهل البيت جميعاً كانوا يكرهون عنتر ورفيقته زبيبة؛ «يهوهوان» على كل قريب وبعيد، ولا يحبان إلا عمي أبي وأنا وأختي لجين. وكما مات عنتر لي، ماتت زبيبة لأختي، وكم من طفل لم يكن له خارج البيت كلب حراسة يحبه، فمات ركضاً وراء كرته. فلا أقول إن ذلك الزمن كان أسلم؛ الأنظمة التي جاءت بعدنا كُتبت بدم حقيقي وكانت ضرورية.
لكن سؤالي عن الذين عاشوا: ماذا تعلمنا نحن؟
وكانت لعمتي صفية رحمها الله قطة اسمها سيسي، شعرها طويل رمادي وعيناها ملونتان، وكانت تحكي لي أن القطة لديها تسع أرواح. وجيلي لم يكن أحدٌ يملأ له يومه؛ يقال لنا: اذهب وحصّل شيئاً تفعله، أو سنأمرك بأن تفعل ما لا تحب. والطفل الذي يخترع يومه يخترع أيضاً أسئلته، وليس لأسئلته رقيب. ففي أحد الأيام بعد الغداء في بيت العيلة على طريق المدينة، ما بين الشاهي والقهوة الحبشية، أخذت سيسي وصعدت أعلى العمارة التي فيها شقة أبوي ورميتها من الشباك. نزلت على أرجلها الأربع كأن المسافة لا تعنيها. فعاودت التجربة، مرة بعد مرة، وأنا أعّد. حتى انتبهت عمتي فسألت: سعيد، ايش تسوي؟ قلت: فاضل اثنين.
قالت: اثنين ايش؟
قلت: مو انتي قلتي البسه عندها تسعه ارواح؟
نقزت عمتي: وي سعيد! وركضت ورائي تنقذ هرتها مني.
وهكذا كانت أيامنا؛ لم يكن عندنا غير الخروج. نلعب مع الحشرات الطائرة، ونمسك بأيدينا الدعسوقة الحمراء ذات النقاط السوداء ونقضي معها ساعات في موسمها، وشخصياً عندما أجد الخروف الصغير ألعب معه؛ وكان عندي خروف اسمه تاح، وجمل صغير صادفته اسمه صبر. وفي يوم وأنا أجري أتزحلق، طحت على الرصيف الذي داخل البيت وانشق وجهي ونزفت، ولولا أن خالي حسن حسين عطار رحمه الله دخل في تلك اللحظة وأخذني سريعاً إلى المستشفى لمتُّ من النزيف.
وتعلمنا جميعاً بالتجربة: من يجري عند حافة المسبح يطيح وينفطح نفسه. وكلنا نعرف اللعبة التي تدور بالحديد، وكلٌّ يعدي فيها أول مرة: تمسك الحديدة وتنزل رجلاً واحدة وتدفع فتدور بسرعة، ثم حين تطش وتبغي تنزل ما قال لك أحد إن اللعبة ما زالت تدور؛ فيأخذ كل واحد منا ضربته من الحديدة على وجهه، وبعضنا يُغمى عليه. وكنا نطيح ونتموّز وغرقنا كلنا، وأنقذنا بعضنا البعض، وآخرون ماتوا غرقاً أو إصابة أو دهساً.
