إذنك من فين يا جحا
سعيد محمد بن زقر (كاتب في الشأن الاقتصادي).
في الحكايات الشعبية سألوا جحا: أين أذنك؟ فمدّ يده من وراء رأسه، وطاف بها الدنيا، وأمسك أذنه من الجهة الأخرى. ضحك الناس من جحا، ثم قاموا يفعلون فعله في كل حوار.
في أول مجلس لسيدي خادم الحرمين الشريفين، أطال الله عمره؛ بقصر السلام بجدة بعد توليه مقاليد الحكم، كنت في زمرة من دُعي من التجار والكتاب وأصحاب السمو والمعالي. ولا أنسى ما قال، ومعناه: اكتبوا، حتى في وفي أولادي والأسرة؛ ومن شخصن أو حرّض أو مسّ أمن البلاد يحاسب. وهو المنهج نفسه الذي أعلنه سمو ولي العهد للعالم بعدها: كلمة حرة وخطوط حمر ثلاثة: الدين، والشخصنة، وأمن الوطن. بابٌ مفتوح وحدودٌ بيّنة؛ وهي آداب الحوار التي عرفناها من الكتاب والسنة. وكتبت بعيدها عن الحوار الخاسر: الذي أمامك يخسر لحظة يشخصن، أو يصرخ، أو يهرب من مسألته إلى غيرها. لكن حيّرني سؤال: إذا خسر، فلماذا لا يسلم؟
حتى سمعت الشيخ سعيد الكملي، شارح موطأ الإمام مالك رحمه الله، يحكي حكاية تُروى عن شيخ الشافعية أبي إسحاق الشيرازي: ما ناظرتُ عاميّاً قط إلا وغلبني؛ إلا مرة واحدة. إمام يُفحم العلماء بين يديه، ويهزمه جاره في السوق! ففهمت: العالم تلزمه بأصوله فيُسلّم، والعامي لا أصول له، والمصارعة تحتاج أرضاً؛ ومن يقف في الهواء لا تصرعه. تسأله: أين أرضك؟ فيمد يده من وراء رأسه ويطوف بك الدنيا، ويعلو الصياح حتى لو مرّ دارون بالمجلس لقال: هذا شاهدُ نظريتي!
ثم وجدت النوع نفسه في بيوت الأعمال العائلية، وهنا تنقلب الضحكة غصّةً. رجلٌ منطقيٌّ حتى تبلغ معه مفارق الطرق، فتظهر علامات الخسارة الثلاث بالترتيب. ولا تظنه غريباً عنا؛ بدرته في كل منا، وأمه حقيقي كوشم فهد في «حق التسمية»: من يتألم يغيّر قاموسه لتصير الحياة ممكنة. وسرّه أنك تظن الخلاف على مسألة، وهو يراه على الكرسي: رجلٌ لا يعرف من هو إذا لم يكن هو الجالس عليه؛ هكذا يختصره أهل علوم النفس. فأعاد قاموسه وهو لا يدري: «الخسارة» غدر ظروف، و«المعترض» حاسد، و«التشبث» حماية للبيت؛ بريءٌ في محكمة نفسه؛ وهي التي يسميها أهل النفس «إعفاء الذات». ولهذا يخسر الحوار ويكسب الغنيمة: في بيت بلا ميثاق تُحسم الأمور بالصلاحيات، والصلاحيات عنده.
فنصيحتي ورقة واحدة: الميثاق. تكتبه العائلة يوم الرضا؛ بديهيات لا تُنكر، ومرجعٌ يُحتكم إليه، ومسألةٌ واحدة لا يُفتح بابٌ قبل إغلاق ما قبله، ودفترٌ لا يُخلط بالرحم؛ ويُكتب كما قلت في «ضمائر الميثاق» بضمير المتكلم: «نلتزم نحن، لا «يُمنع فلان».. والتوقيع بوابة كل كرسي: من وقع دخل الإدارة، ومن أبى فحقّه كاملٌ في مجلس المساهمين، ولا يمسك دفة. وهو الدواء الذي لا يطلب من المريض اعترافاً بالمرض؛ لا يقول لأحد «أنت المشكلة»، بل للجميع «هذه القواعد»؛ مبنية على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، في أرض دستورها الكتاب والسنة.
فمن وقع وقف على أرض لا تميد؛ كلمة قرآنية تعمدّتها أو هي تعمدتني: {وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ} (النحل: ١٥)؛ فالرواسي ميثاق الأرض، والميثاق رواسي البيت. وقد صدقني ناصح أستند إليه وعليه أن من ديون البيوت ما مفتاحه قبول للربا وضعفٌ في الحوكمة، وكلاهما يمحق البركة: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} (البقرة: ٢٧٦). ومن أبى التوقيع فقد أجابك قبل أن تسأله: أذنه من وراء رأسه؛ فدعه يطوف وحده. وارحمه: فجحا كان يمزح ويدري، وصاحبنا يجدُّ ولا يدري؛ والعلم عند أهله.
