ران القلب
سعيد محمد بن زقر (كاتب في الشأن الاقتصادي).
قال عبد الله بن رواحة رضي الله عنه؛ شاعرُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، شهيدُ مؤتة:
وَفِينَا رَسُولُ اللَّهِ يَتْلُو كِتَابَهُ … إِذَا انْشَقَّ مَعْرُوفٌ مِنَ الْفَجْرِ سَاطِعُ
أرانا الهدى بعد العمى فقلوبُنا … به موقناتٌ أنَّ ما قالَ واقعُ
يَبِيتُ يُجَافِي جَنْبَهُ عَن فِرَاشِهِ … إِذَا اسْتَثْقَلَتْ بِالْمُشْرِكِينَ الْمَضَاجِعُ
وفي موّال بغداديّ قديم، مجهول القائل، غنّاه ناظم الغزالي: «سمراءُ، من قوم عيسى، من أباح لها قتلَ امرئٍ مسلمٍ قاسي بها ولَها».. تدخل العبارة الأذن بلباس الفقه فتأسرها، فإذا القتيلُ قتيلُ هوى، والقاتلةُ فتاةٌ تقرع ناقوسَ كنيستها: «من علّم الخَودَ؛ أي الفتاة الناعمة؛ ضرباً بالنواقيس؟»، ثم يسأل قلبه: «أيَّ الضرب يؤلمك: ضربَ النواقيس أم ضربَ النوى؛ أي الفراق؟ قيسي».
وازن الشاعرُ بين ضربين يحسبها شكوى عاشق؛ وما درى أنه سمّى سنّة الله في القلوب: القلبُ مرآة، وكل كلمة تبلغ الأذن ضربة عليها.
هكذا يجذب الشعر؛ بقوة لا يفوقها إلا الوحي. والوحي ليس شعرًا، ومحمد صلى الله عليه وسلم ليس شاعرًا: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ} (يس: ٦٩)؛ لكنّ قريشًا لم تجد في قاموسها اسمًا لكلام يبلغ القلوب هذا المبلغ، فقالت: شاعر. والضربُ إذا تكرّر نقشَ. كلمة «ابن الله»، خرجت في لسان قوم موسى وعيسى عليهما السلام لقب تشريف، ثم ضربت القلوب قرنًا بعد قرن، {فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ} (الحديد: ١٦)، حتى صار التشريف عقيدة نسب، ودُفن المعنى الأول تحت النقش. والضربُ نفسُه يصقل إذا أمسكه صاحبه. ابن رواحة، يوم مؤتة، وقف أمام الموت لحظة ثم ضرب قلبه بقلمه: «يا نفسُ إلا تُقتلي تموتي»؛ ونزل، وقاتل، واستشهد. الذي كتب لنا اليقين احتاج ساعة الامتحان أن يقرأه على نفسه. وانظر ميزانه: الموتُ قادم حتمًا، والقتلُ في سبيل الله بابُ الشرف إليه. وزن الكلمتين والسيوف حوله، وحسم القياس.
هذه أقلام الأولين. أما أنا فأعود إلى أبيات الأمير بدر بن عبدالمحسن بصوت فنّاني المفضل؛ الصوت الذي ملأ ليلة زفافي في القاهرة، مسقط رأسي. من مصر القديمة نفسها خرجت حناجر الحصري وعبدالباسط والمنشاوي التي تُبكي من يحب الله ورسوله. مدينة واحدة ضربت قلبي مرتين: بالطرب وبالترتيل.
والأمير قال كلمتي: أرفض المسافة. يرفض أن يموت في قلب من يحب موتاً لا يشعر به أحد؛ ولا هو. وهذه ميتة القلب التي أخافها. يقول الغزالي رحمه الله: القلب مرآة، وُلدت مصقولة على الفطرة، ثم ركبها الصدأ؛ كلمةٌ نقشت، وحكمٌ جاهز قبلته بلا وزن، وهمسةُ مجلسٍ صدّقتها؛ طبقةٌ فوق طبقة حتى حجب الصدأ ما وُلدت عليه وأنت لا تدري. هذا هو الران. قريشٌ كلها أعوزها (كلمة من الرف العالي؛ أي نقصها وافتقرت إليه فلم تجده) اسمُ الوحي؛ فمن أدخل الكلمة في قاموسه انصقلت مرآته: «أرانا الهدى بعد العمى» ومن ردّها بقي صدؤه يعكس الجاهلية. فأرفض المسافة وأرفض الحارس: كل طبقةٍ أقمّتها لتحمي قلبي صارت سجنه، ومسافة بيني وبين قاموسي الأول؛ وبيني وبين من كتبه.
والفطرة فيها حب. لكنّ العشق لم يسمّه القرآن حبّاً إلا في فتية قميص قُدّ من دُبر: {قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا} (يوسف: ٣٠)؛ وبيت الزوجية {مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} (الروم: ٢١)؛ والحبُّ الأعلى {أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ} (البقرة: ١٦٥). والشيطان يقلب القاموس: يأخذ الحبَّ الصاعد فيسمّره في الأرض، ويخدعك بجمال الخَود؛ وكل عطاياه ناعمة، وغايته بقسمه: {وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} (الأعراف: ١٧). ورسول الله صلى الله عليه وسلم ما تفطرت؛ أي تشققت وانتفخت؛ قدماه من طول القيام إلا ليكون «عبداً شكوراً» (متفق عليه)؛ لا شاكراً فحسب، بل من لا ينقطع شكره. فاعود إلى ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين، وكل ما يلهيني عن الشكر أرفضه؛ فهو سمراء من قوم عيسى بقناع جديد.
وحبُّ الفطرة الحق في أهل الليل: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا} (السجدة: ١٦)؛ حبٌّ بجناحين، أصحابه خبروا من يحبون. وبهذه الآية كان الشيخ سعيد الكملي يشرح أبيات ابن رواحة في التسجيل الذي سمعتُه؛ من أبياته بدأت وقفتي، وإلى آيته انتهت.
وسؤال الموّال صار لك: كل يوم تضرب قلبك أقلامٌ لا تحصيها؛ أيّها ينقش عليك، وأيّها يصقلك؟ قس.
