غرفةٌ في صدر الدار
سعيد محمد عبيد بن زقر (كاتب في الشأن الاقتصادي).
كان في صدر الدار غرفةٌ صغيرةٌ، وكانت فيها عجوزٌ. لا أذكر متى عرفتها؛ كانت هناك قبل أن أُولد، كما كان الباب والنخلة والبئر. لا يدخل عليها داخلٌ إلا أكلَ، ولا يشكو إليها شاكٍ فيسمع بشكواه أحدٌ سواها. وكان تجار الحي إذا اختلفوا قالوا: نمشي للعجوز. فتسمع من هذا ومن هذا، ثم تقول كلمةً واحدة يخرجون بها متصافحين. ورأيتها بعيني تردّ مالاً. جاءها أبي يوماً فرحاً بصفقةٍ ربحُها كثير، فسألته سؤالين، ثم قالت: يا ولدي، المال يُسأل عنه مرتين: من أين، وفيمَ. ردّه يا ولدي، الربح الذي تستحي أن تحكي قصته في المجلس ليس ربحاً. وسمعتها توصي بقضاء دينٍ عن رجل مات ولا يعرفه أحدٌ منا. وسترت عاملاً في الدكان أخطأ، وأصلحت خطأه من مالها، وما علمنا إلا بعد موتها، حين جاء الرجل يبكي عند بابها.
وكانت لها كلمة تعيدها علينا ونحن صغار: العقل يدلّك على الأنفع يا ولدي، وأنا أدلّك على الأرفع. ثم كبر الدكان وصار شركة، وصار للشركة أدوارٌ وقاعات ومحاسبون. ووسّعت الدار، فضاقت غرفتها؛ صارت في آخر الممر بعدما كانت في صدر البيت. وقصُرت زياراتنا لها؛ ندخل واقفين ونخرج واقفين، والهاتف في اليد. وكانت تبتسم ولا تعاتب، والعتب ليس من شأنها.
وفي سنةٍ من السنوات، وقّعنا أكبر صفقةٍ في تاريخنا. وفي يوم التوقيع نفسه ماتت. وما ربطنا يومها بين اليومين.
حضر جنازتها قليل. كان الاجتماع لا يقبل التأجيل. وبعد سنين، ونحن نخرج من قاعة طال فيها الصياح على قسمةٍ وميراث، أمسكتُ بيد أبي وسألته: تذكر العجوز؟ ما كان اسمها؟
أطرق طويلاً، حتى ظننته لم يسمع. ثم قال، وصوته ليس صوته: المروءة. كان اسمها المروءة يا ولدي. وماتت ونحن في الاجتماع.
تذكرت قول الشاعر:
مررت على المروءة وهي تبكي … بدمعٍ ما حكته المعصراتُ
فرحت أسائل الأصحاب عنها … فقلت علام تنتحب الفتاةُ
فقالت كيف لا أبكي وأهلي … دهتهم بالصروف الحادثاتُ
