من كاف زكريا إلى لام إبراهيم

سعيد محمد عبيد بن زقر (كاتب في الشأن الاقتصادي).

في قاموسي، كانت كلمة (الدعاء) تعني: اطلب حاجتك. ثم سمعت قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ} (الحج: ١١)، فتحسّن المعنى عندي درجة: لا تجعلها صفقة مع ربك؛ اشكر واطلب.

ثم مرّت بي آية مرّت عليك كثيراً يا عزيزي القارئ، لكنها هذه المرة خرجت من حنجرة نقيب قرّاء مصر الأول عبدالباسط عبدالصمد رحمه الله: {..إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ * رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ} (إبراهيم: ٣٩-٤٠)، فوقفت، وتتبعت «سميع الدعاء»، فوجدتها في موضعين، قالها زكريا عليه السلام بالكاف: {إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} (آل عمران: ٣٨) قبل أن يأتيه الولد، وقالها إبراهيم عليه السلام باللام: {إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ} (إبراهيم: ٣٩) بعد أن جاءه، فعرفت أن في قاموسي خطأ آخر.

ولستُ من أهل العلم، فجلستُ إلى الغزالي وابن القيم، فصحّحا لي خطئي وخطتي. ابن القيم في «بدائع الفوائد» يقول: الدعاء نوعان: دعاء مسألة، أي طلب حاجة، ودعاء عبادة؛ وهما لا يفترقان. والغزالي في «الإحياء» يقول: الدعاء يجمع قلبك مع الله، وهذا أعلى العبادة، فالحاجة تنتهي، والحضور مع الله لا ينتهي.

وكان ظنّان حسبتهما المنطق: أن زكريا لما جاءه الولد توقف عن الطلب، وأن إبراهيم إنما دعا قبل العطاء، فردّهما القرآن عليّ. أما زكريا، فقال ربي في ختام قصته: {..كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} (الأنبياء: ٩٠)؛ أي طمعاً وخوفاً؛ فما توقف الدعاء بعد العطاء. وأما إبراهيم، فقد سمعته بإذني: يحمد ربه على الهبة، وفي النفس نفسه يعود يطلب.

فتكتمل الحلقة في قاموسي: الدعاء لا يتوقف. قبل العطاء يقينٌ بلا ذرة شك أن الله فعّال لما يريد؛ كأنك كاف زكريا. وبعد العطاء دعاء يستمر؛ كأنك لام إبراهيم.

ثم نظرتُ نظرةً أخيرةً أوجعتني: فيما طلبه إبراهيم عليه السلام بعد العطاء {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} (إبراهيم: ٤٠-٤١)، الرجل الذي أعطي ما انتظره عمراً كاملاً، ما طلب شيئاً من الدنيا؛ طلب الصلاة والمغفرة ويوم الحساب. ثم نظرتُ في دعائي أنا بعد العطاء: أشكر وأطلب، نعم؛ لكن في الدنيا، قلبي ما زال معلقاً بها.

ثم وجدتُ خاتمة الطريق عند رسول الله صلى الله عليه وسلم – في صحيح البخاري عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقالت: لم تصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: «أفلا أحب أن أكون عبداً شكوراً». وهذا أعظم من أعطي، وما توقف.

وخطر لي؛ والعلم عند أهله؛ أني فهمت سر الميدان. إبليس حين أقسم على إغوائنا ما قال: لا تجد أكثرهم مصلين؛ قال: {وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} (الأعراف: ١٧)، فكان ساحته ما بعد العطاء؛ قبل العطاء الكل يدعو، وبعده يتفرق الناس، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «شكوراً»، والشكور فوق الشاكر: {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} (سبأ: ١٣)، فرأيت أن دعاءك بعد العطاء ليس زيادة خير؛ هو المعركة نفسها.

وكتاب الله، كلما استوقفتني منه آية أستعين بها على صقل مرآة قلبي؛ كما وصفها الغزالي؛ وجدتُ الطريق يأخذني إلى ابن القيم في «مدارج السالكين»: ما بين {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاك نَسْتَعِينُ} (الفاتحة: ٥)؛ عبادة ثم استعانة، قبل العطاء وبعده، فعرفت أين أقف من الطريق؛ لا على الحرف، ودعاؤك أنت يوم يستجيب الله لك: هل يتوقف أم يزيد؟ أما أنا، فما زلت أدعو.


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى