بنى الجدران ونسي الباب
سعيد محمد عبيد بن زقر (كاتب في الشأن الاقتصادي).
في ميلانو عاش رجل دخل الحياة يتيماً في ملجأ، وخرج منها صاحب «راي بان» وهي إمبراطورية بمعنى الكلمة إلا أن الاخبار نقلت أن «راي بان» تهزها الحوكمة. إنها أكبر إمبراطورية نظارات في العالم، ليوناردو ديل فيكيو قضى سنواته الأخيرة يبني قلعة تحمي ثروته من بعده؛ وزّع الملكية على ثمانية ورثة بالتساوي، واشترط شبه الإجماع على كل قرار، وقيّد بيع الحصص. ثم مات سنة ٢٠٢٢ مطمئناً إلى أن أولاده لن يختلفوا؛ وما اختلف أولاده إلا على ما كتبه ليمنع اختلافهم.
مضت أربع سنوات. القلعة قائمة، وأهلها لا يستطيعون الحراك. خمسة وخمسون مليار يورو معلّقة؛ التوزيعات محتبسة، والقرارات مؤجلة، والمجلس منقسم شقين. وحين عرض الابنُ الذي يحمل اسم أبيه أن يشتري حصص اثنين من إخوته بعشرة مليارات ليكسر الجمود، تعثّر العرض في الطريق.
لم يُهمل الرجلُ التخطيط، بل خطط بإفراط. بنى الجدران ونسي الباب؛ أوجب الإجماع ولم يقل ماذا يفعلون إذا غاب، وسوّى بينهم في القرار فصارت المساواة سلطة نقض بيد كل واحد؛ أي أن اعتراض واحد يوقف الجميع؛ وضيق طريق التخارج حتى كاد ينسد. والقلعة بلا باب تحمي أهلها زمناً، ثم تصير سجنهم.
وفي سياق محلي وعندنا لم يعد العذر قائماً؛ نظام الشركات أجاز للأسر ميثاقها العائلي، ووزارة التجارة أصدرت نموذجاً استرشادياً. فلم يعد السؤال: هل عندكم ميثاق؟ بل: هل في ميثاقكم باب؟ آلية تفضّ الجمود إذا تعادلت الأصوات، وتخارج بتقييم عادل يخرج به الشريك بماله ولا يخرج البيت من البيت، ومرجع يُحتكم إليه قبل المحاكم.
فإن قال قائل: ونحن الذين في المأزق اليوم، ماذا ينفعنا ميثاق لم يُكتب؟ فالجواب: الباب يُفتح في الجدار والقلعة قائمة؛ ما دام في القلوب بقية. محكّم يرتضيه الجميع فيما اختلفوا فيه، وقراره نافذ نظاماً. أو تخارج بالتراضي يشتري به راغبُ البقاء حصة راغب الخروج بتقييم محايد. أو قسمة أصول تجعل لكل فرع داره بدل أن يتزاحموا في دار واحدة. أو تعديل العقد نفسه إن رضي الشركاء، فالنظام يجيز اليوم ما فات كتابته بالأمس؛ وبابه رضا من كتبوه. فالجمود ليس حياداً، الجمود خسارة تُدفع كل يوم، والدائنون لا ينتظرون.
كتب صانع النظارات كل شيء إلا سطراً واحداً: ماذا نفعل إذا اختلفنا؟ فاختلفوا، ولم يجدوا السطر. فيا من تكتب ميثاقك اليوم والقلوب صافية، اسأله: أين الباب؟ ويا من وجد نفسه خلف الجدران، لا تنتظر أن تنهدم القلعة على من فيها، افتح الباب بيدك.
