فإذا برزوا من عندك – القرآن يجيب قبل أن يُسألوا (3/2)

سعيد محمد عبيد بن زقر (كاتب في الشأن الاقتصادي).

عرضنا في الجزء الأول كيف حسمت أربع آيات متتالية من سورة النساء قضية الوحي الذي لا يُتلى، ووقفنا عند أمر الآية بالردِّ إلى أهل الاستنباط. ومن هناك نكمل.

فأبو حامد الغزالي في «المستصفى»، حين أراد أن يثبت أن الاستنباط والاجتهاد صنعةٌ مشروعة لها أهلها وشروطها، كان من عمدته هذه الآية بعينها: {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ}. فالآية عند أهل الأصول ليست موعظة عابرة، بل دليل صناعةٍ كاملة؛ أثبتت أن في الأمة من «يستنبط»، وأن العلم يُنال بالردِّ إليهم لا بالإذاعة دونهم. ثم ساق الغزالي شروط من يجلس ذلك المجلس، فإذا هي عمرٌ من العلم لا حلقةٌ من التسجيل.

وابن القيم في «إعلام الموقعين» وقف قبل صفحتنا بآيات يسيرة، عند قوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ}، والتقط ما يمرُّ عليه القارئ العجل: أن الله أعاد فعل الطاعة مع الرسول فقال {وأطيعوا الرسول}، ولم يُعده مع أولي الأمر. قال ما حاصله: إن طاعة الرسول ﷺ مستقلة، يُطاع فيما يأمر به ابتداءً وإن لم يكن عين ما في القرآن، وأما أولو الأمر فطاعتهم تبعٌ لطاعته لا استقلال لها. فإعادةُ فعلٍ واحدٍ في آية واحدة حسمت أن السنة وحيٌ مستقل الحجية.

ثم أتّم الآية نفسها: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} – وأجمع أهل العلم كما نقله ابن القيم أن الردَّ إلى الله هو الردُّ إلى كتابه، والردَّ إلى الرسول هو الردُّ إليه في حياته وإلى سنته بعد وفاته. وإلا لتعطلت الآية بموته ﷺ، وحاشا لكلام الله أن يتعطل. فمن قال اليوم «يكفينا الكتاب» فقد ردَّ نصف الآية وعطّل نصفها الآخر.

فهذان عالمان جلسا عند صفحتنا وقالا ما قالا. لكن في صدر المجلس مقعدًا لم يُشغل بعد، لأقدم الثلاثة وأحقّهم بالصدارة: إمامٍ سُئل سؤالاً واحداً، فقرأ من أجله القرآن كله – ثلاث مرات.
(يتبع)


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى