الشيطان لا يريد أن ينتصر
سعيد محمد بن زقر (كاتب في الشأن الاقتصادي).
أنت الآن داخل على معصية. وتعرف أنها معصية. وتتذكر أن في صدرك صوتًا كان يناديك في مثل هذه اللحظة: لا تفعل. أحيانًا بآية، وأحيانًا بكلمة من الرسول صلى الله عليه وسلم. الليلة الصوت موجود، لكنه منخفض. تسمعه، بس كهمس.
ماذا تفعل في هذه اللحظة؟
لا تجب الآن. دعني أحكي لك قصة هذا الصوت؛ من وضعه فيك، ومن يريد إسكاته، وليش صار أخفض.
القصة بدأت في أول مشهد من قصة الإنسان. وقف إبليس بين يدي الله وقال: {فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ}. ركّز: ما قال سأهدم الطريق، ولا سأمحو الكتاب. قال: سأجلس عليه. عجز عن الطريق، فجلس ينتظر الماشي.
ليش عجز؟ لأن القرار صدر من فوق سبع سماوات: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}. القرآن محفوظ في الصدور والسطور، والسنة حُفظت بالإسناد؛ رجال موثقون، رجل عن رجل، إلى فم النبي صلى الله عليه وسلم – جهاز ما عرفته أمة قبلنا، لا الروم ولا الفرس ولا أهل الكتاب. ليش نحن بس؟ لأن الله وعد بحفظ كتابنا، وما وعد بحفظ كتبهم.
والنبي صلى الله عليه وسلم وصف الطريق: صراط مستقيم، على جنباته أبواب مفتَّحة هي محارم الله، والداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي من فوقه واعظ الله في قلب كل مسلم. «رواه أحمد والترمذي».
وقفت عند آخر كلمة؟ الواعظ يعني الذي ينصحك ويحذّرك. هذا هو الصوت الذي في صدرك الليلة. ما هو وسواس ولا تربية بيت؛ النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الله وضعه في قلب كل مسلم. أنت منهم.
فإذا كان الطريق محفوظًا، وش بقي للخصم؟ بقي الصوت. كتب ابن القيم في «إغاثة اللهفان» أن الشيطان يطلب منك الأعظم، فإذا عجز نزل درجة، وما ييأس. عجز عن الكتاب، فاشتغل على صوتك.
وطريقته ما تحتاج ضجيجًا.
يخلّي الآية صوتًا في خلفية حياتك: القرآن شغال في السيارة وأنت في مكان آخر. ومعنى كلام الغزالي: المَتعوِّد أخطر من الغافل، لأن الغافل إذا نبّهته انتبه.
ثم التأجيل: سوف أتوب، بعد الزواج، بعد رمضان الجاي؛ والقلب يقسو وهو ينتظر نفسه.
ثم التشكيك: مقطع بودكاست يوصلك، ضيف واثق يسأل: من قال إن السنة وحي؟ والمسألة محسومة من ألف سنة؛ لكنه يباغتك تقتنع، يبغالك تتعب حتى يبرد قلبك، عجز أن يضيع الوحي، فاكتفى بأن يوهمك أنه ضاع.
وآخر خطوة منك أنت: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ}. «يعش»: يغمض عينه قليلاً. تؤجل الصلاة، تمرر الآية بلا قراءة، تخفض الأذان. وكل مرة تتجاوز الصوت وتدخل، يصير أخفض، فإذا جواب سؤالك: ما مات؛ الذي وضعه الله لن يموت؛ لكنه سكت من طول ما تجاهلته.
«وهذي القسوة حذّر الله منها الصحابة أنفسهم، وما مضى على إسلامهم إلا سنوات: {أَلَمْ يَأنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ}. فكيف بنا بعد ألف وأربعمائة سنة؟
والآن ارجع للحظتك، الصوت ما زال يتكلم، بس كهمس.
وأبشرك: هذا الصوت اشتغل عندك قبل، تذكر يوم كنت «تسوّي سكرول» ووقفت عند مقطع تلاوة، وشيء تحرك في صدرك. تذكر ليلة في رمضان دمعت عينك. هذه لحظات الصوت وهو يرفع صوته؛ والذي تحرّك بقدر يتحرّك مرة ثانية.
جرّب الليلة: شغّل سورة الحديد، واسمع الآية السادسة عشرة كأن الله يقولها لك بالاسم. مرة واحدة، بدون جوال بجنبك.
فماذا تفعل في هذه اللحظة؟
الطريق ما زال محفوظًا، والصوت ما زال في صدرك. والشيطان ما زال جالسًا؛ ما جلس ليكسب نقاشًا، جلس ينتظر قلبك يبرد. لا تعطه إياه. الجواب منك، قد آن.
