وحيٌ يُتلى ووحيٌ لا يُتلى مسألةٌ حُسمت قبل ألف عام

سعيد محمد بن زقر (كاتب في الشأن الاقتصادي).

هذه المسألة ليست مطروحة للنقاش، فقد حسمها أئمة الأمة قبل قرون، وما يُثار اليوم كأنه اكتشاف جديد ليس إلا شبهة قديمة أجاب عنها العلماء وأقفلوا بابها. ويكفي القارئ الكريم ثلاثة نصوص، من ثلاث مدارس، يبني عليها حكمه بنفسه.

يقول حجة الإسلام أبو حامد الغزالي (ت 505هـ) في مطلع كلامه على الأصل الثاني من أصول الأدلة، وهو السنة: «وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة لدلالة المعجزة على صدقه، ولأمر الله تعالى إيانا باتباعه، ولأنه ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى؛ لكن بعض الوحي يُتلى فيسمى كتابًا، وبعضه لا يُتلى وهو السنة» [المستصفى من علم الأصول، الأصل الثاني: السنة؛ طبعة دار الكتب العلمية بتحقيق محمد عبد السلام عبد الشافي، بيروت، 1413هـ/1993م، وانظره في الطبعة المحققة بتحقيق د. حمزة بن زهير حافظ، المدينة المنورة].

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728هـ) في مقدمة التفسير: «فعليك بالسنة، فإنها شارحة للقرآن وموضحة له… والسنة أيضًا تنزل عليه بالوحي كما ينزل القرآن، لا أنها تتلى كما يتلى» [مجموع الفتاوى، جمع ابن قاسم، طبعة مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، 1416هـ، ج13، ص363-364]. فانظر كيف تطابقت عبارة الإمامين على اختلاف مدرستيهما: وحيٌ يُتلى ووحيٌ لا يُتلى.

ويقول الإمام ابن قيم الجوزية (ت 751هـ): «والسنة مع القرآن على ثلاثة أوجه: أحدها أن تكون موافقة له من كل وجه، فيكون توارد القرآن والسنة على الحكم الواحد من باب توارد الأدلة وتظاهرها. الثاني أن تكون بيانًا لما أُريد بالقرآن وتفسيرًا له. الثالث أن تكون موجبة لحكم سكت القرآن عن إيجابه أو محرمة لما سكت عن تحريمه، ولا تخرج عن هذه الأقسام، فلا تعارض القرآن بوجه ما» [إعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن الجوزي، الدمام، ط1، 1423هـ، ج4، ص84].

فإذا كان الوحي عند الغزالي وابن تيمية وحيين، متلوًّا هو الكتاب وغير متلوٍّ هو السنة، وكانت السنة عند ابن القيم لا تعارض القرآن بوجه ما، فليسأل القارئ نفسه: من جعل الشك في السنة أصلًا ومنهجًا، في أيِّ الوحيين طعن؟ ومن هدم البيان، ماذا أبقى من الكتاب الذي يزعم الدفاع عنه؟

ونحن في المملكة العربية السعودية، وقد أطلَّ علينا يومنا الوطني السادس والتسعون، نملك فوق ذلك طبقة حسم أخرى، هي أصل الدولة التي نحتفي بها: فالمادة الأولى من النظام الأساسي للحكم، الصادر بالأمر الملكي رقم (أ/90) وتاريخ 1412/8/27هـ، تنص على أن المملكة «دستورها كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم»، والمادة السابعة تنص على أن الحكم «يستمد سلطته من كتاب الله تعالى وسنة رسوله، وهما الحاكمان على هذا النظام وجميع أنظمة الدولة».. فالسنة عندنا ليست رأيًا يُناقش، بل ركن الدستور الذي بويع عليه ولي الأمر وتحكم به المحاكم. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني» [متفق عليه: البخاري (7137)، ومسلم (1835)].

فليتأمّل القارئ: من جعل الشك في السنة منهجًا، في بلادٍ دستورها الكتاب والسنة، فمن أي شيء خرج؟ مسألةٌ حُسمت قبل ألف عام، ولن يفتحها من جاء بعدهم بألف بودكاست.


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى