القاموس الأخير

في آخر عتبة من عتبات هذه الأيام الخاوية، ودّعتُ حبيبًا آخر. لم يكن الوداع مشهدًا من مشاهد العشرينيات: لا دمعة تسبق صاحبها، ولا كلمة تخرج قبل أن تستأذن. وقفتُ حيث يقف الرجال الذين رأيتهم في المجالس قديمًا وأنا صبيٌّ أتعجب: كيف يحملون الفقد بهذا الاتزان؟ ظننتُ يومها أنهم أطفأوا مشاعرهم، أو أن الزمن قسّاهم. واليوم، وأنا أقف مكانهم، فهمتُ أن الذي تغيّر ليس المشاعر، بل القاموس الذي تقرأ به؛ فأكثر ما يتغيّر مع العمر ليس القلب، بل اللغة التي يقرأ بها القلب نفسه.

في الصغر كان قاموسي واسعًا اتساع الفوضى. من مدرسة في السعودية إلى أمريكا، ثم العودة إلى الوطن والجلوس في مجالس الرجال، كان الوعاء يستقبل الدنيا وما فيها بلا فرز؛ المشاعر مخلوطة بالرغبات، والرغبات ملتبسة بالطقوس، وكل ذلك يُكتب في القاموس تحت باب واحد اسمه (أنا أشعر). كنتُ أحسبُ أن الفرق بيني وبين من هم أكبر مني فرقٌ في التحكم، فإذا هو فرقٌ في التعريف. هم لا يكبتون ما أشعر به؛ هم يسمّونه باسمه الصحيح، فإذا سُمّي الشيء باسمه انكشف حجمه الحقيقي، وكثيرٌ مما كنت أظنه بحرًا كان اسمه الصحيح: موجة.

ثم مرّت السنون وتحوّلت إلى عقود، وفعل الفقد فعله. وهنا المفارقة التي لم أنتبه لها إلا متأخرًا: الفقد لم يُضيّق الوعاء، بل صفّاه. كنت أخشى أن يودّع القلبُ أحبابه واحدًا بعد واحد فيصير خرابًا، فإذا به يصير أوضح. لم يعد يتسع لكل ما كان يسميه حبًّا، لكن الذي حدث ليس انسدادًا؛ الذي حدث أن الكلمات عادت إلى مواضعها. ما كان اسمه (حاجة) عاد إلى بابه، وما كان اسمه «أنس» عاد إلى بابه، وبقي في باب «الحب» أقل مما ظننتُ، وأصدقُ مما احتملتُ.

وكلما صُقلت مرآة القلب، أعاد القاموس ترتيب نفسه إلى وضعه الفطري الذي خُلق عليه. لم أعد أنا الترتيب؛ أنا فقط كففتُ عن العبث بالصفحات. هذا ما فهمتُه من كلام الغزالي عن القلب مرآةً يعلوها الصدأ، ومن كلام ابن القيم عن حراسة المقام الداخلي: أن التزكية ليست إضافة معانٍ جديدة إلى القاموس، بل إزالة ما ران عليه حتى تعود المعاني إلى خلقتها الأولى. فالقاموس الفطري كان صافيًا يوم وُلدنا، كل كلمة في بابها، ثم جاءت الدنيا؛ المدرسة، والغربة، والرغبات، والطقوس؛ فكتبت فوق السطور وخلطت الأبواب. فليس الصقل اكتشافًا لشيء جديد، بل عودة إلى ما كنّاه قبل أن ننسى؛ الصفاء وراءنا وأمامنا معًا: وراءنا يوم كُتب، وأمامنا يوم يُستردّ.

واليوم أنظر إلى الطريق كله: المدرسة، والغربة، والعودة، والمجالس، والأحباب الذين ودّعتهم عتبةً بعد عتبة؛ فأراه كأنه كان يهيئني لشيء واحد لم أكن أعرفه: لحظة سقوط القاموس بأكمله. لا أعني قاموس التسمية الذي تُحرس به الحقائق أسماؤها؛ فذاك عهدٌ لا يسقط. أعني قاموس القلب الذي ظللتُ عمري أرتّب فيه أحبابي وحاجاتي وأنسي. ليس تمزيقه غضبًا، ولا هجره زهدًا، بل سقوطه كما تسقط ورقة الشجر حين ينضج ما بعدها. لأن نهاية هذا القاموس ليست قاموسًا أكمل، ولا تعريفات أدق، بل كلمة واحدة تُغني عن الأبواب كلها: (إياك نعبد وإياك نستعين). نصفها يسمّي الوجهة، ونصفها يسمّي الزاد، وما بينهما يقع كل ما حاولتُ عمري كله أن أجد له اسمًا. لقد ظننتُ طويلاً أنني أبني قاموسًا، والحق أنني كنتُ أفرغه، بابًا بعد باب، حتى لا يبقى فيه إلا مَن لا يودّعُ.


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى