النفس بين الإِمَّارة واللَّوم
راودتني نفسي بأسئلة في باب المشقة في أعمال الخير: هل أجر اليُسر كأجر التعب؟ وهل أختار الأيسر لأن الشريعة يسَّرت، أم لأن نفسي تُحبّ الراحة؟ فاستعنتُ عليها بكتب أهل العلم: من أبي حامد الغزالي رحمه الله، إلى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. وما بدأ بحثاً في كُتب الفقه، انتهى بي إلى مرآةٍ أَرَتْنِي نفسي.
كنتُ قد جعلتُ منصة إحسان قريبةً من يدي، أضغط الزرّ فأطمئنّ. وفي قلبي قول النبي صلى الله عليه وسلم: (اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا). فحسبتُ أنّي بهذا الضغط مُتَّبِعٌ للوصيّة، وغفلتُ أنّ صدرها قيدٌ لعجزها: تقوى مُستمرّة، لا مُعاملة لحظيّة.
ثم سَمعتُ مَن ينصح بمباشرة الصدقة باليد. وفي الكلام وَجهٌ صحيح: فعمل الجوارح في الخير باب عظيم. فثَقُل السؤال على صدري. وعندي كتبٌ ومراجع وأقوال أهل العلم بين يديّ، ومع ذلك وَجدتُني عاجزاً عن جوابٍ يطمئنّ إليه قلبي. لا لأن المسألة معقّدة في ظاهرها، بل لأنها تمسّ قلبي. وأنا أخاف ربي، وأشعر أنني مقصّر، وأخشى أن أجعل الصدقة مهدِّئاً للذنب لا باباً للتوبة. وهنا تكشّفت لي حِيل النفس واحدةً بعد أخرى: أوّلها: أنها زيّنت لي اليُسر، فجعلت الزرّ راحةً، والراحةَ توبةً، والتوبةَ معادلةً تُحَلّ بضغطة. فلمّا فُضحت في هذه، انتقلت إلى حيلةٍ ثانية: أن تستريح في الاعتراف بالعجز، فتجعل من الاعتراف مَقاماً تطمئنّ إليه كما كانت تطمئنّ إلى اليُسر. ولمّا فُضحت في هذه، فتحت باباً ثالثاً: أن تُوهمني أنني «لستُ كُفؤاً» للكتابة في الموضوع، فأنسحب من البحث كلّه، وأستريح في الانسحاب. ثلاث حِيل، في موضع واحد، في قلب واحد، في ساعة واحدة. وكلّها تنتهي إلى مَقصدٍ واحد: ألّا أعمل. وأدركتُ أن النفس لا تُغالب بالحُجّة وحدها، فإنها تقبل كلّ حُجّة، وتستفيد منها لتُعيد التموضع، وإنما تُغالب بالعمل. ولذلك كان السلف إذا سمعوا الكلمة، عملوا بها قبل أن يقوموا من مجالسهم. ثم نَظرتُ في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في مسألة المشقة، فَوَجدتُه يُقرّر أنّ فضل العمل لا يأتي من التعب المجرّد، بل من طاعةٍ نافعة. لكني أدركتُ أنني كنتُ أستعمل كلامه في غير موضعه. فإن شيخ الإسلام إنّما رَدّ على من يطلب المشقة لذاتها، لا على من يختار الأيسر دائماً ويستدلّ بكلامه عليه. وبين المقامين بَوْن. ثم تكشّفت لي حيلةٌ رابعة، أخفى من سابقاتها: أنّ النفس جَعلت المسألة كلّها بيني وبين ذنبي، وأخرجت من الصورة طرفين هما أصلها.
أوَّلهما: الفقير. فإنّ الله جَعل في المال حَقّاً للفقير، فقال سبحانه: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: 19]. فالصدقة عبادة تَجمع جهتين: تَعَبُّدٌ لله، ورحمةٌ بالخلق. والمتصدق صادقٌ في عبادته إذا حَضَرت الجهتان في قلبه؛ فإن غابت إحداهما، وإن وَصَل المال إلى مُستحقّه بفضل الله، فقد فاته من كمال العبادة بِقَدر ما غاب. وقد كان قلبي عن الفقير غافلاً، وإن كانت يَدي عنه مُعطية. والثاني: التوبة. فإنّ الذي يمحو الذنب أصلاً هو التوبة النصوح، لا الصدقة وحدها. وأركانها عند أهل العلم ثلاثة: نَدمٌ يكسر القلب، وإقلاعٌ في الحال، وعَزمٌ ألا يعود؛ ويُزاد رابعٌ إن كان الذنب في حقّ آدميّ، وهو ردّ المظلمة. ولها وقتٌ لا تُؤخّر عنه: قبل الغرغرة، وقبل طلوع الشمس من مَغربها. والصدقة بَعد التوبة كمالٌ لها وجَبرٌ لما فات، أمّا قبلها فهي مُسكّن لا دواء. وكنتُ، وأنا أكتب هذا المقال، قد غاب عن قلمي الفقير، وغابت عنه التوبة. ولم أنتبه إلى غيابهما إلّا بعد أن وَقفتُ على ما كتبت. وقد يَسّر الله لي تنبيه صِهري، ثم يسَّر لي كتب أهل العلم بَعده، فأوصلني الأوّل إلى باب المرآة، وفتَحتها لي الثانية بفضله سُبحانه. ولو وَقفتُ على السؤال وحدي، لَدُرتُ في الكتب أبحث عن جوابٍ يُريحني، لا عن جوابٍ يَصدقني. فالكتاب يُعطيك المسألة، والمجلس والقريب يُوقظانك إليها. والمرآة في كليهما، ولكنّ الكلمة الصادقة تطرق الباب. ومسك الختام، كأنّي أسمع من أبي حامد وشيخ الإسلام رحمهما الله تنبيهاً واحداً: اكتُب أقلّ، واعمل أكثر. فإنّ المجلس والمنبر إذا لم يُتبَعا بعمل، صارا هما الآخران موضعَ راحة. وأكمل بكلام الذي نفسي بيده: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 17-18] اللهم اجعلني ومَن قرأ هذا، من أهل هذه الآية.

